ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»

ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»!

ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»!

 العرب اليوم -

ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»

بقلم : فاطمة ناعوت

فى التصوّف، لا تُعدُّ الرحمةُ خُلُقًا اجتماعيًا فحسب، بل مقامًا روحيًا لا يبلغه إلا مَن خفَّ حضورُ الأنا فى داخله. فكلما اتّسعت مساحةُ الرحمة فى النفس، ضاق الاحتياج لإثبات الذات. لذلك جاء القول الإلهى جامعًا: «ورحمتى وسِعَتْ كلًّ شىء».

مقطع فيديو قصير، صادفنى على إنستجرام، يظهر فيه أربعة أطفال يلعبون فى فناء بيت ريفى بسيط. ولدٌ وثلاث بنات أشقاء، أظنهم من الهند أو باكستان. يقفون متجاورين، أمام صفوف من البالونات الملوّنة. وعند نهاية الصفوف جوائزُ: لعبٌ وحلوى. يُلقى نِردٌ، واللون الذى يختاره النردُ يعنى أن يثب صاحبُ البالونات من نفس اللون فوق بالونة ويفقأها، ومَن تنتهى بالوناتُه أولًا يحصد الجوائز. سارت اللعبةُ على نحو عادى، إلى أن لاحظ «إبراهيم» أن شقيقاته لا يُجدن الوثبَ فوق بالوناتهن، ومنهن مَن طاحت. فما كان منه إلا أن ضحّى بالفوز، ليجعل الصغيرات يفزن. وفازت الشقيقات بالهدايا، فركضن نحوه ليمنحنه هداياهن. فاحتضنهن ووزّع عليهن الهدايا من جديد. كانت جائزته أن يراهن مسرورات!. لا أذكر عدد المرات التى شاهدتُ فيها هذا المقطع الصغير ودموعى تنهمر. أظنّ أن كل امرأة على هذا الكوكب شاهدت الفيديو، تتمنى أن يكون لها شقيقٌ مثل «إبراهيم».

ما رأيناه فى هذا الفيديو ليس «لطفَ» طفل مهذب فحسب، بل هو تحوّلٌ صامتٌ فى معنى القوة. الذكورة هنا لم تظهر بوصفها غلبة، بل مسؤولية، ولم تتجسّد فى الاحتفاظ بالمكسب، بل فى القدرة على «التخلّى» عنه. لقد أعاد هذا الطفل تعريف الرجولة بوصفها اختيارًا واعيًا للخسارة، حين يكون الفوزُ محبطًا للآخرين. لم يَنظر «إبراهيم» إلى الفوز كغاية، ولم يجعل المنافسة ساحة للتفوّق، بل أدرك مبكرًا أن الفوز الحقَّ يكون بقلوب الضعاف، لا بالحلوى والمغانم.

متى تعلّم هذا الصبىُّ، الذى لم يبلغ السابعة من عمره، أن «اللعبة» ليست صراعًا مع الآخر، بل مواجهة مع النفس من أجل الآخر؟!، مَن علّمه أن الكسب الأجمل يكمن فى احتواء الضعفاء ومساعدتهم ورسم الفرح على وجوههم؟، ربما يعلّم الآباءُ أبناءهم أن «الرجولة» هى الصلابة والتحمل والانتصار، لكن «إبراهيم» قدّم تعريفًا آخر للرجولة: إنها التحمل نيابةً عن غيرك. أن ترى الضعف، فتُقايضه بخسارتك الطوعية ليكسب الضعاف.

يظنُّ البعضُ أن الرحمةَ ضعفٌ، وأن القوةَ لا تكتمل إلا بالبطش. لكن الطبيعةَ تُكذِّب هذا التصور. حيوان «أم القوس» أو «الشيهم» Porcupine المشهورة بأنها أكثر الكائنات شراسةً وبطشًا، لم تكتسب هذا اللقب لأنها الأقوى بنيانًا وأشواكًا وعضلاتٍ، بل لأنها الأكثر حنوًّا على صغارها. تشرع أشواكها كسهام مميتة حين تستشعر الخطر على الصغار. شراستها تنطلق من رحمتها للضعاف. فالقوة الحقيقية لا تبدأ بالهجوم، بل بالحماية. لهذا قررت مصرُ تغيير اسم وزارة «الحربية» إلى «الدفاع»، بعد انتصارنا فى حرب أكتوبر وعقد معاهدة السلام.

الفيلسوف الصوفى «مُحيى الدين بن عربى» كان يرى أن الوجود يتحقّق فى الحب والانفتاح على الآخر، وأن الرحمة هى صورةٌ من صور «وحدة الوجود» التى تجعل الإنسان يرى «الآخرَ» امتدادًا لوجوده، لا خصمًا مهددًا. الرحمة بهذا المنظار تتجاوز الشعور المؤقّت بالذات، لتكون تجربة وحدوية تستدعى المسؤولية تجاه الآخر.

«إبراهيم» لم يباهِ بقوته ليثبت تفوّقه على شقيقاته، بوصفه «الولد الناجح». بل كان «أخًا». والأخوّةُ ليست علاقةَ دم، بل «موقفٌ أخلاقىّ». أن يختار الألمَ كيلا يشعر به غيره. «الذكورة» عند هذا الطفل لم تكن غَلَبَة، بل تضحية، لم تكن انتصارًا، بل هى اختيارٌ واعٍ للخسارة أمام الأضعف. وهذا فى جوهره معنى روحى فائق، قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا رفيعًا.

مخطئٌ مَن يعلّم صغاره أن الرجولة صوتٌ عالٍ، ويدٌ كاسرة. فهذا المشهد الطفولى يهمس بمعنى آخر للرجولة. أن ترى الضعفَ، ولا تستغله. أن تملك القوة، وتؤجّل استخدامها. القوة التى لا تمرُّ من بوابة الرحمة قوةٌ ناقصة. والرأفةُ ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هى جوهرُ القيادة الإنسانية. وحين تتسعُ الرحمةُ تصيرُ القوةُ خادمةً لها، لا سيدةً عليها. «إبراهيم» لم يكن «ذكرَ العائلة» بالمعنى الشعبوى الساذج. بل كان أخًا. والأخوّة، فى معناها العميق، ليست دمًا مشتركًا، بل قرارًا داخليًا: أن أكون الدرعَ، لا السوط.

هذا الفيديو درسٌ لـ«الذكور» الذين يتجبرون على شقيقاتهم وزوجاتهم وأمهاتهم باسم القوة، وينسون أن الرحمةَ هى الأعلى مقامًا، وأن القوة دون رحمة محضُ حيوانية باطشة. وأعتذرُ عن لفظة «حيوانية»؛ لأن فى ممالك الحيوان قيمًا رفيعة وقوانينَ حاسمةً تحمى الضعيفَ من بطش القوى. يا «إبراهيم»، لم تكن تلعب ببالونات، بل كنت ترمّم تصدّعات الروح الإنسانية. شكرًا لأنك علمتنا أن الفوز لا يكون على جثث المهزومين، بل فوق أكتافِ مَن رفعناهم ليشاركونا القمّة.

arabstoday

GMT 06:27 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

الفساد وخفة دم الأردنيين !

GMT 04:25 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

تقليد الفشل

GMT 04:23 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

ترمب والمرشد والضريح

GMT 04:21 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

بين أبي تمام وإيلون ماسك

GMT 04:19 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

هل تصبح إسرائيل أقلَّ شراسة؟

GMT 04:17 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

لبنان و«العيش داخل كذبة»

GMT 04:15 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

ما يقال وما ينبغي ألّا يقال!

GMT 04:12 2026 الإثنين ,02 شباط / فبراير

دافوس ٢٠٢٦ وعصر الذكاء الاصطناعى

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم» ليتكَ شقيقى يا «إبراهيم»



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 18:14 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

7 ممارسات تدعم الصحة النفسية وتعزز المرونة

GMT 06:09 2026 الأحد ,01 شباط / فبراير

اليوم لا حرب وغدا يوم آخر !

GMT 07:52 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مواعيد مباريات اليوم السبت 31 يناير 2026 والقنوات الناقلة

GMT 21:02 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

دجوكوفيتش يجرد سينر من اللقب ويواجه ألكاراز في النهائي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab