عن الزلزال سألوني

عن الزلزال.. سألوني!

عن الزلزال.. سألوني!

 العرب اليوم -

عن الزلزال سألوني

بقلم: فاطمة ناعوت

بحكم دراستى للهندسة المعمارية، أعرفُ كيف تتوزعُ الأحمال على الخرسانة المسلحة، وكيف تنتقل الأوزانُ من السقف إلى الكمرات، ثم إلى الأعمدة، ومن ثمّ إلى الأرض. وأعرف يقينًا أن ذراعين من لحم ودم لن تحملا سقفًا إذا انهار. ومع هذا ظللتُ عامين كاملين أنام وأنا أشيّد لطفلى كهفًا من جسدى وذراعى، لكى أحميه من الزلازل وتوابعها.

كان ذلك فى خريف ١٩٩٢، حين اهتزت مصرُ بذلك الزلزال الأشهر، الذى حصد مئات الأرواح، وأصاب الآلاف، وشرّد عشراتِ الآلاف. كنتُ أتهيأ للأمومة فى شهرى الأخير من الحمل بابنى الأول «مازن». كنتُ وزوجى قد أعددنا غرفتَه، لوّنا جدرانها، ورتّبنا سريرَه وألعابه، وحتى مكتب مذاكرته. ووضعنا فوق سريره جهاز لاسلكى لأسمع بكاءه ليلا من غرفتى، فأهرع إليه. لكن الغرفة بقيت فارغة أعوامًا، لأننى لم أجرؤ على تركه ينام بعيدًا عنى. بعد الزلزال، ظلَّ الناسُ لشهور يروون قصص الذين ظلّوا تحت الأنقاض أيامًا. وعن «أكثم»، الشابّ الذى علِق تحت الأرض مع أسرته، وكيف رآهم يموتون أمام عينيه واحدًا فى إثر واحد؛ بسبب العطش ونقص الأكسجين. وظلت نشرات الأخبار وخبراءُ الزلازل يرددون كلمة: «التوابع». وكانت الكلمة وحدها كافية لإيقاظ الرعب فى القلوب، كلما انطفأ. بعد شهر، حملتُ مولودى بين ذراعى، وفهمت لأول مرة فى حياتى معنى خوف أم على وليدها. شىءٌ لا تستوعبه مجلداتُ العالم، وتضيقُ به لغاتُ الأرض؛ لكى يُروَى. هذا الكائنُ الصغير بين يدى، أدفعُ عمرى كلَّه نظيرَ ألا يتألم، ولو بخدش طفيف. بدت لى الدنيا أصغرَ من أن تحتمل رقّةَ هذا الكائن، وأوسعَ من أن أستطيع حمايته فى جميع أرجائها.

لهذا، كلما سمعتُ كلمة «زلزال»، لا أتذكّر مقياس ريختر، ولا طبقات الأرض المنزلقة، ولا الخرائط التى ترسم خطوط الصدوع، وتحركات الصفائح. فقط أتذكّر ذراعيْ أمٍّ صغيرة، كانتا لمولودها عمودًا وكمرة. كان زوجى، أستاذ العمارة بهندسة عين شمس، يضحك من تصرّفى الطفولى، وكأنه حزينٌ على طالبةٍ علّمها لسنواتٍ أصولَ الهندسة الإنشائية، فنسيتْ ما تعلمتْه وجعلتْ من ذراعها النحيل سقفًا! وكنت أعرفُ حجمَ العبث فى تصرفى، لكن المعرفة شىء، والأمومة شىء آخر. الأم خُلقت لكى تتلقى الضربة الأولى قبل أطفالها. بكل براءة الأمومة وعِنادها النبيل، قرّرتُ أن السقفَ إذا انهار، فعليه أن يسقط على ذراعى أولًا، لا على طفلى. على الأقل يكون جسدى أولَ ما يمسُّ وجهَ طفلى، وليس الطوب والخرسانة والحديد. وظل «مازن» ينام فى حضنى سنواتٍ. ولم يدخل غرفته إلا مع شقيقه الأصغر «عمر»، بعدما كبرا وصارا يركضان ويلعبان. أو بعدما غادر رعبُ الزلزال قلبَ أمومتى.

ومنذ أيام، عاد الزلزالُ بكامل ثقله. ولم يكن «مازن» بطلَ الحكاية هذه المرة. فقد صار شابًا يعيش مع زوجته الجميلة «فاطمة الزهراء». كان «عمر» هو بطلَ أمومتى هذه المرة. الثالثة فجرًا. كنت أجلس فى غرفة مكتبى، أعملُ على مجموعتى القصصية الجديدة: «مريم عنقود العنب»، حين شعرتُ بالمكتب يهتز، والكتب تتساقط من رفوف المكتبة فوق رأسى. هرعتُ إلى غرفة «عمر» وكان فى عمق نومه، أيقظته بلهفة، وجررته إلى الشارع وأنا أصنع من يدى مظلةً فوق رأسه، بنفس عبثية الأم التى كنتُها قبل ثلاثين عامًا، مع طفلى الأول.

الأرضُ تتغير، وخرائطُ الزلازل تتبدّل، وأجهزة الإنذار تتطور، لكن قلبَ الأم يظل عصيًّا على التغير. يظل الكائنَ الأوحد الذى لا يعترف بقوانين الفيزياء، ولا مراكز الثقل، ولا نظريات العمارة، ومواد البناء، ونقاط الخضوع. قلبُ الأم، إذا ما تعلّق الأمر بأطفالها، يظن أنه أصلب من الإسمنت، وأقوى من الأعمدة، وأوسع من السماء.

الشاهدُ أن الأمَّ التى صنعت من ذراعيها سقفًا لطفلها، لم تكن تحميه من الزلزال، بل كانت تحمى فكرتها النبيلة عن الأمومة. لهذا، حين قرأتُ عن الأم التى توقّف قلبُها خوفًا على أطفالها وقت الزلزال، لم أندهش. تمزّق قلبى حزنًا عليها، لأننى أدركُ جيدًّا حجم الرعب الذى ضربها، حين داهمها وجهُ عجزها عن حماية رؤوس أطفالها من انهيارات الأسقف.

مقامُ الشعر:

لابد أن يدركَ الأطفالُ / أن الهواءَ الذى يملأ البالونات / مخصومٌ من رِئات ِ الأمهات.

مقامُ السؤال:

إذا كانت الأرض ترتجف من حين إلى آخر، فما الذى يجعل قلب الأم ثابتًا أمام الكوارث؟ وإذا كان لكل بناءٍ أعمدةٌ تحملُه، فما العمودُ الذى يحمل قلبَ الأم كلما اهتزَّ العالم؟ وأيُّهما أشدُّ صلابةً فى مواجهة الزلازل: الخرسانة، أم قلبُ أمٍّ يصنع من جدرانه شرنقةً تخبئ فيها أطفالها؟.

arabstoday

GMT 06:07 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

بوتين واحد لا بوتينان في روسيا!

GMT 06:02 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

ما وراء سياسة الأرض المحروقة

GMT 05:58 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

تشخيص الحرب بين «العمق والسطح»

GMT 05:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

العمال بناة الأهرامات

GMT 05:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

متى «أوديسة» العرب؟

GMT 05:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

ليبيا... هل مبادرة بولس واقعية؟

GMT 03:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

تهويش أمريكي إسرائيلي

GMT 03:37 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

المشي مع القطيع!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الزلزال سألوني عن الزلزال سألوني



أحدث إطلالات كارمن بصيبص شعر قصير واختيارات مبتكرة للأزياء

بيروت ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab