أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى ربما

أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى.. ربما!

أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى.. ربما!

 العرب اليوم -

أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى ربما

بقلم: فاطمة ناعوت

- «بابا.. أنا عارفة كل حاجة فى الدنيا!».

قالتها طفلةٌ فى الخامسة من عمرها، بثقة مَن يؤمن بما يقول. ولما سألها والدُها عن السبب، أجابت بعفوية الطفولة:

- «لأننى أتكلم العربية والإنجليزية والصينية، وسافرت إلى بلاد كثيرة. ماذا تبقى لأتعلمه؟».

ابتسم الأبُ المثقف، ولم يجادلها. فالطفولةُ لا تعرف الشكّ. إنها ترى العالم كما ترى البحر من نافذة سيارة؛ قطعةً زرقاء صغيرة، وتظنه البحرَ كلَّه.

مضت الأعوام. وكبرت الطفلة، ولم تراكم لغاتٍ جديدة إلى اللغات الثلاث، بل اختارت أن تتعلم أصعب اللغات جميعًا؛ لغة الكون. درست الفيزياءَ. ويوم مناقشة رسالة الدكتوراه، جلس والدها يتابعها بفخر على الشاشة، وهى تحاور أساتذتها وتحاججهم وتدافع عن نتائج بحثها. بعد انتهاء المناقشة، سألها والدُها المهندس عن مسألة دقيقة فى الفيزياء، وتوقع جوابًا قاطعًا. فالفيزياءُ، كما الرياضيات، لا تحتملُ التأويلَ ولا تعدد الآراء. واندهشَ حين أجابته بكلمة واحدة مقتضبة، لا تحمل الإجابة، بل تدفع إلى الحيرة: «ربما».

سألها بدهشة: «ربما؟!، ألم يحسم العلمُ هذه المسألة؟»، قالت: «لا يا أبى. كثيرٌ مما نعدّه حقائقَ ناصعةً هو فقط أفضلُ تفسير وصل إليه العلمُ حتى الآن. وغدًا قد يظهر اكتشافٌ جديد يوسّع هذا التفسير، أو يصححه، أو يكشف حدوده، أو حتى ينسفه من جذوره. العلمُ لا يعرف الكلمةَ الأخيرة، بل هو مراحلُ لا تنتهى. العلمُ لا يقول: وصلنا. بل يقول: لنواصل».

لم يشأ أن يُذكّرها بيقين طفولتها حين أخبرته أنها تعلم كل شىء. فقط ابتسم. لكن ذكاءها أدرك مغزى الابتسامة، فردّت بابتسامة مماثلة خجول، وقالت: «بابا، كلما اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة». ابتسامتان فى حياة الأب: الأولى ليقين الطفلة، والثانية لتواضُع العالِمة.

أما الطفلةُ، فهى دكتورة «ياسمين حازم الهادى»، وأما والدُها فهو صديقى دكتور مهندس «حازم عبدالعزيز الهادى». وأما «ربما» التى قالتها الطفلةُ حين كبُرت؛ فهى مفتاحُ لغز الحياة.

وحدهم العلماءُ يدركون «فضيلة ربما»، التى لا يعرف قدرَها الغافلون. لعلّ هذه الكلمة الخاطفة هى أعظم كلمة فى تاريخ العلم. فحين يقولُ إنسانٌ: «مستحيلٌ أن نطير كعصفور»، يقول عالِمٌ: «ولِمَ لا؟، ربما نقدر!»، فيخترعُ الطائرةَ والصاروخ ومركباتِ الفضاء ويغزو الكون. وحين يقول إنسانٌ: «مستحيلٌ أن نسمعَ خارج نطاق السمع»، يردُّ العالِم: «ربما نقدر»، فيخترعُ الهاتفَ وما تلاه من معجزات تواصُلية. نحن نربى أبناءنا على أن «ربما» علامة تردد، بينما هى إحدى علامات النضج العقلى. فالجاهلُ يطلب يقينًا سريعًا، أما العالِمُ فيعرف أن كل يقين مؤقتٌ، وأن الحقيقة ليست صخرةً جامدة، بل أفق مشاكسٌ، يبتعدُ كلما اقتربنا منه.

لهذا فإن واحدة من أبلغ آيات القرآن الكريم ما قالته «بلقيس»، ملكة «سبأ» حين رأت عرشها العائد من اليمن إلى بيت المقدس فى طَرفة عين. قالت: «كأنه هو!». لم تقل: «هو»، ولم تقل: «ليس هو»، بل اختارت كلمة تجمع منتهى الحكمة والذكاء والتحوّط. الكلمة العبقرية التى تتأرجح بين الشك واليقين. فالعينُ ترى العرش ذاته وإن تبدلت مواقعُ جواهره، والعقلُ يرى استحالة نقله تلك المسافة فى اللازمن. لم تُكذِّب عينيها، ولم تُلْغِ عقلها. تلك هى: عبقرية «ربما».

ولعلَّ «سقراط» كان أول مَن أقرَّ بالتواضع المعرفى حين قال إنه يعرف أن هناك ما لا يعرفه. فالوعىُ بالجهل أولى مراتب الحكمة لأنه الدافع للبحث والتعلّم والسؤال.

وهذا ما يفعله العلمُ طوال الوقت. علّمنا «إقليدس» أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، وأن مجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة. ثم جاء «برنارد ريمان» ليعلمنا أن الهندسة الإقليدية لا تنطبق إلا على الورق، أما فى الكون الشاسع المنحنى، حيث لا خطّ مستقيم أصلا، فإن قوانين اللعبة تتغير، فالخطوط المتوازية تنحنى وتتلاقى عند الأقطاب، والمثلثات العملاقة لا تعترف إلا بالهندسة الكروية. «أينشتين» لم يهدم «نيوتن»، وميكانيكا الكم لم تهدم «أينشتين». فالعلم لا يقتل آباءه، بل يضعهم فى مراتبهم الزمنية. «قوانين نيوتن» كانت تفسّر الكون يومًا، ثم جاءت «النسبية» لتكشف أن الزمان والمكان ليسا مطلقين كما ظن البشر قرونًا، وبالتالى ما معنى: المسافة والزمن؟، وبعدها جاءت ميكانيكا الكم، لتفتح بابًا على عالم بالغ الغرابة والطرافة، عالم لا تكفى فيه قوانيننا المألوفة لتفسير سلوك الجسيمات الدقيقة، التى كأنما تغيّر من طبيعتها حال المراقبة، فتتأرجح بين الجُسيم والموجة!.

كلما اتسعت دائرةُ المعرفة، اتسع معها محيطُها الملامس للمجهول. ولعل تلك هى المفارقة الأعجب فى زماننا؛ فبينما يزداد العلماءُ تواضعًا وشكًّا وسؤالا، يزداد العوامُ كِبرًا ويقينًا وإجابات. العلماءُ يقولون: «ربما»،! أما العوامُ فيحسمون أعقدَ القضايا فى كلمة!.

مقامُ السؤال: هل تختبئُ الحقيقةُ فى الإجابة، أم فى السؤال؟. هل تتقدم المعرفةُ حين نزداد إجاباتٍ، أم حين نزداد أسئلةً؟.

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى ربما أنا أعلمُ كلَّ شىء يا أبى ربما



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم
 العرب اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab