بقلم : فاطمة ناعوت
شهرُ رمضان، فى مصر تحديدًا، ليس صفحةً فى التقويم، بل هو لحظةُ صفاءٍ جماعيّ ونبالة وتآخى وإيثار، يخفُّ فيها ضجيجُ الذات، ويعلو صوتُ المعنى. شهرٌ لا يدخله الإنسانُ من بوابة الزمان، بل يدخلُنا هو من بوابة القلب. شهرٌ لا يدخل من أبواب البيوت، بل من الشوارع، من الوجوه، من التفاصيل الصغيرة التى قد لا تنتبه لها العدساتُ، لكنها لا تخطئها القلوب.
فى رمضان، تستعيد المدينةُ ملامحَها القديمة التى تحاولُ الحداثةُ إخفاءها تحت عجلات التسارع والاستهلاك المُربك. لكن الأمكنة، فى رمضان، تأبى إلا أن تنتزع ذكرياتها الأولى لتنثرها فى الأركان والزوايا. الشوارعُ تتزيّن وتُضاءُ جوانبُها، لا لأن جهةً ما قرّرت ذلك، بل لأن الأطفال فى كل حيٍّ قد قرّروا أن يجمّلوها. فوانيسُ وشرائطُ وأعلامٌ صغيرة ملوّنة قصقصتها وعلّقتها على الخيوط أيادٍ صغيرة، لا تعرف أيها مسلم وأيها مسيحى. هم أطفالٌ ربّتهم الفطرةُ على المحبة دون شقاق أو تمييز. الطفولة فى صورتها الأنقى التى لا تعرف الكراهية، حتى بوصفها احتمالًا.
تحت تلك الزينة، تُنصَب«موائدُ محبة»، يقيمها مسيحيون لأصدقائهم المسلمين، ومسلمون لأصدقائهم المسيحيين، لا بدافع المجاملة ولا المجاهرة بالتسامح، بل بدافع أبسط وأصدق: الحب والمشاركة. ذاك أن للتشارك فى صحون الطعام لغةً أقدمَ من جميع اللغات، لغة الاطمئنان إلى الآخر والإقرار بالأخوة الإنسانية والإيمان بوحدة الأصل والمصير. الموائدُ التى تُمدُّ بالحب، أكثرُ حكمة من أى خطاب تنويرى. فحين نجلس معًا لنأكل، تتراجع الأسئلة الكبرى، ويتقدّم الإنسان.
وحين تميل الشمسُ إلى المغيب، ناشرةً لونَها الذهبى المشعّ فى أرجاء الأماكن وعلى واجهات المحال المغلقة، يهدأ الشارع كمن يستعد لسماع سرّ مقدس، ثم يجيء الصوت. أذان المغرب فى شهر رمضان لا يعلن وحسب عن موعد الإفطار، بل هو نداءٌ حانٍ يهبط على المدينة كلها فيغلّفها بروح الرجاء فى رضوان الله. أذان المغرب بصوت الشيخ «محمد رفعت» الذى لا يشبه إلا نفسه، لا يُسمَع بالأذن، بل بالقلب. صوتٌ يجمع الناسَ فى دائرة طمأنينة واحدة، فتنتشى الروحُ وهى تنصت إلى هذا الجمال النادر.
ثم تأتى التواشيحُ، تلك المساحة التى يلتقى فيها الذِّكرُ بالفن، والروح بالموسيقى، والإيمان الذى يتجسّدُ شدوًا. صوتُ الاستثنائى الشيخ «سيد النقشبندي»، يتماوج كنسمات عذوبة على موسيقى العظيم «بليغ حمدي»، حين يقول: «مولاى إنّى ببابك قد بسطتُّ يدى، مَن لى ألوذُ به إلاك يا سندى.» هذا المزيجُ المصرى الفريد الذى جعل الابتهال طائرَ رحمة وسلام يحلّق فوق رؤوس العباد جميعًا دون تمييز. هنا لا أحد يُسأل: لمن هذا الصوت الماسّ؟ بل: لماذا وكيف هو جميل إلى هذا الحد؟
قبل أذان المغرب، وعلى نواصى الشوارع، يقف شبابٌ لا يحملون شعارات، بل يحملون تمرًا وماءً وابتساماتِ حب. يمدّون أيديهم للمارّة الذين باغتهم الوقتُ فى الطريق قبل الوصول إلى منازلهم. لا يسألون: «هل أنت صائم؟ مسلم أم مسيحى؟» فقط يقدمون الحب ويقولون: «كل سنة وأنت طيب، صومًا مقبولا وذنبًا مغفورًا بإذن الله». بعض هؤلاء الشباب مسيحيون أوفدتهم الكنائسُ الطيبةُ لأشقائهم المسلمين لكى يكسروا صيامَهم بحبّة تمرٍ وشربة ماء مع توقيت الأذان.
فى شهر رمضان، تتدرّب الأخلاقُ وسلوك المحبة والكرم أن تكون تلقائية. لا بطولة فيها، ولا انتظار شكر، ولا صورة تُلتقط للنشر. الخير فى رمضان سلوك فطرى يمشى على قدميه، بلا ضجيج ولا صخب. فالمدينة كأنما تصوم عن القسوة، وتفطر على اللين والرأفة. شهر رمضان، فى صورته المصرية العميقة، ليس موسم مزايدات عقدية، ولا مسابقة فى إظهار الفضيلة والتُقى، لأن الإيمانَ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربه. بل هو فرصةٌ استعادة هادئة لفكرة أننا، قبل كل الأسماء والهويات، بشرٌ. بشر نحتاج إلى بعضنا البعض، ونُحسن حين ننسى قليلًا أثرة ذواتنا.
أجمل ما فى رمضان أنه لا يطالبنا بأن نكون ملائكة، بل أن نكون أقل قسوة، أكثر انتباهًا، أوسع قلبًا. شهرٌ نرى فيه أنفسنا كما نحب أن نكون، لا كما اعتدنا أن نبدو. وحين ينتهى، لا نأسف إلا على انصراف تلك الحالة النادرة التى تجعل الإنسان، ولو مؤقتًا، أقرب إلى صورته النقيّة.
تعبنا من العنصرية والشقاق والتنابذ بالعقائد. تلك أمورٌ تهدمُ، لا الأوطان وحسب، بل تهدم الإنسان ذاته وتفرّغه من روحه الطيبة التى جبله اللهُ عليها قبلما يسمحُ الإنسانُ لنفسه أن يسقطَ فى شَرَك التباغض والحروب. تعبنا من وجع التلاعن والتراشق بالكلام الصعب الذى يُفتّتُ صفحةَ النور النقية فى أعماقنا، فلماذا لا نجعل هذا الشهر الكريم بداية لاستعادة ما تهشّم داخل أرواحنا من الرقة والوداعة والمحبة والسمو؟ كل عام ونحن أطيب، نعتمدُ الحبَّ سلوكًا وأسلوب حياة، لا شعارًا.