بقلم: فاطمة ناعوت
ماذا لو استيقظتَ صباحًا، ووجدتَ المدينة خاوية، لا بشر إلا أنت؟ إشارات المرور تومض، أبواب البيوت مواربة، المحالُ مفتوحة، النوافذُ مُشرعة وشاغرة من العيون، والسيارات تركها أصحابها فى عرض الطريق مفتوحة الأبواب. لا صوت، لا ظل، لا أثر لحياة، ولا حتى لموت. تنادى ولا مجيب، فقط صدى صوتك يعود إليك. هل انتهى العالم، وصعد البشرُ إلى خالقهم، وتُركتَ على الأرض وحدك؟
هذا الحلم يطاردنى ويُخيفنى منذ قرأت مسرحية «فاوست»-جوته وأنا صغيرة. أصحو من النوم، فأجد العالم قد أُفرغ. لا جثامين، ولا خراب، ولا تفسير. فقط أنا، وكونٌ صامت.
الغريب أننى أحب الوحدة. قد يمر شهرٌ لا أرى فيه أحدًا، إلا ابنى الصموت. أكتب، وأقرأ، وأستمع إلى الموسيقى، وأناجى الله، ولا أفتقد الزحام. حرمنى القدرُ وظروفى الأسرية من أن يكون لى أصدقاء؛ بالمعنى الاصطلاحى لمفهوم الصداقة: الحديث يوميًّا، الخروج معًا والسفر، بث الهموم، واللجوء إلى الصديق حين تضيقُ السبل. هذا الحرمانُ جعل وحدتى ملاذى الوحيد، ومساحتى الخاصة التى أرمّم فيها ما يتكسر. لكن وحدتى هذه اختيارٌ وقرار، لا إجبار وقسر. فالناسُ دائمًا هناك. والاستغناءُ عنهم لعبةٌ وجوديةٌ أُجيدُها. الوحدةُ فردوسٌ فقط حين تذهب إليها مُختارًا. لكنْ أن تُرغم عليها، فشىءٌ يشبه الجحيم. لهذا يصيبنى هذا الحلم المتكرر بالهلع.
والحقُّ أننى لا أهرب من الناس؛ فحبّى للناس جارف. لكننى أهرب من الاستنزاف. فأنا أحبُّ الآخرين إلى الحد الذى يرهق ويستنزف. فى الندوات، أتفاعل مع الناس، أضحك، وأصافح، وأبتهج كطفلة بقارئ يحمل كتابًا لى يريد توقيعًا، أو صورة يقتطعها من زحام يومه ليحتفظ بها فى ذاكرته. ثم أعود إلى البيت ممتنة لهذا الحب العظيم الذى لا يُشترى. ثم يحدث شىء لا أفهمه. فى اليوم التالى، يهبط عليَّ حزنٌ كثيف! كأن كل الطاقة التى أضاءت الأمسية قد انسحبت من روحى دفعة واحدة. كأن بهجة الأمس مخصومة من رصيد الغد. ليس اكتئابًا، ولا مزاجًا متقلبًا، بل هى الفاتورة التى يدفعها الجهاز العصبى بعد أن يمنح نفسه كاملة للآخرين. بعض البشر يتحدثون مع الناس بألسنهم. وبعضهم يتحدث بكامل القلب والجهاز العصبى. وأخشى أننى من الصنف الثانى. لهذا لا أحتمل الضجيج طويلًا، ولا أطيق البقاء فى قلب الحشود يومين متتابعين، رغم أننى أخرج منها محمولة على أجنحة المحبة.
لهذا أفهم جيدًا لماذا تشبث «توم هانكس» بطل فيلم Cast Away بكُرةٍ رسم عليها وجهًا، وحاورها كما لو كانت إنسانًا. لم يكن يبحث عن لعبة، بل عن شاهد. عن عين أخرى تؤكد له أنه ما زال موجودًا. ولهذا انهار وظل يصرخ حين ضاعت منه الكُرة فى عرض المحيط، بعدما رافقته 1500 يوم، وكانت صديقه الأوحد فى تلك الجزيرة المنسية. ظل يبكى صديقَه «الكرةَ»، كما لم يبكِ صديقٌ صديقًا.
لماذا اختار اسم «ولسن» ليمنحه لصديقه الصامت: الكرة؟ لأنها اسم الشركة الرياضية المنتجة. ولكن بوسعى أن أراها إلماحة إلى «كولن ولسن» صاحب كتاب «اللامنتمى» The Outsider الذى يحلل طبيعة الشخصية النافرة عن السياقِ المجتمعىّ، الطامحة فى عالم مثاليّ، غير موجود، ومستحيلٌ أن يوجد. اللامنتمى ليس شخصًا معزولا عن المجتمع بالصدفة. بل هو إنسانٌ يتمتع برؤية حادة ووعى زائد يتجاوز السطحية التى يعيش بها معظم البشر. شخص يدرك حجم الفوضى وانعدام المعنى فى العالم، فيرفض الانسجام مع قوالب المجتمع الجاهزة. وأشار الكتاب إلى نماذجَ من مشاهيرَ «لامنتمين» مثل نيتشه، ديستوفسكى، فوكنر، كافكا، سارتر، فان جوخ، برنارد شو، وآخرين من أفذاذ هذا الكوكب ومجانينه المبدعين. أليس أولئك متروكين جانبًا مثل بطل الفيلم الناجى الوحيد من الطائرة المحطمة الذى سقط فى جزيرة معزولة؟ جميعهم نفروا من المجتمع بعدما أخفقوا فى التكيف معه؛ لأن شروطَ المجتمع «الصعبة» لا تتفقُ مع شروطهم «الصعبة». وانعكس هذا «اللانتماء» بالطبع فى أعمالهم الفنية والفكرية والإبداعية.
الإنسان قد لا يحتاج إلى الناس طوال الوقت، لكنه يحتاج دائمًا إلى أن يعرف أنهم موجودون. ثم نختارُ فردوس الوحدة، بإرادتنا الكاملة، لا مرغمين عليها. نغلق الباب، ونحن مطمئنون إلى أن المدينة لاتزال تتنفس خارج النافذة. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم، والمقاهى تضج بالأحاديث، ودور العبادة عامرة بالمُصلّين، وامرأة تشترى الخبز لأطفالها، وعاشقان يرسمان المستقبل بخيالهما. يطمئننى أن كل ذلك يحدث، حتى لو لم أشارك فيه. وجوده يكفينى لأشعر بالأمان. هذا سرُّ خوفى من حلمى القديم، الذى يزورنى بين الحين والحين. ليس الخوف من الوحدة، بل من اختفاء نبض الإنسانية.
مقام السؤال: ما الذى يمنح وجودنَا معناه: الناس، أم يقيننا أنهم موجودون؟ هل نخاف الوحدة، أم نخاف أن ينطفئ العالمُ من حولنا؟.