بقلم :ناصيف حتّي*
زيارة الـ43 ساعة التي قضاها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بكين تختلف كلياً عن زيارته الأولى في عام 2017؛ إذ إن تلك الزيارة وصفها بعضهم حينذاك بأنها كانت لكسر الجليد السائد، وقد كان أمراً طبيعياً في تلك المرحلة، عبر «التعارف الشخصي» وتعزيز حوار بين القوتين العظميين.
الزيارة الثانية أسفرت عن تعزيز مسار علاقات «طبيعية» بين واشنطن وبكين. ومن نافل القول إن العلاقات الطبيعية بين القوى الدولية تحمل مجالات تعاون كما تحمل مجالات خلاف؛ خصوصاً في عالم «ما بعد بعد الحرب الباردة». مسار لا تحكمه بشكل مسبق صراعات ولا خلافات مفتوحة تستند إلى إرث الماضي والاختلاف الآيديولوجي، تمنع التقارب أو تضع العوائق أمام التفاهم في قضايا معينة. وفي المقابل لا يعني هذا الأمر التحول إلى ثنائي متفاهم كلياً حول «تنظيم» وإدارة النظام الدولي الذي يقبعان معاً على رأسه. نظام لم يستقر كلياً بعد من حيث تركيبته والقواعد الناظمة له. الرئيس الصيني شي جينبينغ يعتبر أن بلاده خارج هذا التوصيف. فالصين الشعبية هي إحدى القوى الرئيسية في عالم جديد منقسم إلى «ثنائي جديد»، هو الشمال والجنوب. ولا يعني ذلك أن هذا الثنائي في حالة مواجهة دائمة، أو أنه لا توجد خلافات واختلافات ضمن كل من طرفيه، وبين القوى المكونة له.
الثنائي الجديد يشكل البديل عن ثنائي الحرب الباردة الذي قام على «شرق غرب».
استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين بعد مغادرة ترمب يحمل في توقيته رسالة حول خصوصية العلاقات بين موسكو وبكين، وتأكيد كل منهما على هذه الخصوصية. وبالتالي فإن تطبيع العلاقات مع بعض «الحرارة الخفيفة» الناتجة عن تفاهمات عامة بين الولايات المتحدة والصين الشعبية التي تم التوصل إليها، لا تعني من المنظور الصيني أنها تأتي على حساب العلاقات مع موسكو.
في السياق ذاته لهذا الوضع الجديد، حذَّر الرئيس الأميركي تايوان من مخاطر التفكير في الذهاب نحو إعلان الاستقلال مما يؤدي حتماً إلى حرب صينية ضد تايوان، ولن تكون واشنطن في صف الأخيرة أو داعمة لها في سيناريو من هذا النوع. فالدعم الحاصل هو للحفاظ على الوضع القائم، وليس لاستفزاز بكين في مسألة تحظى بالأهمية المطلقة لها من منظور الأمن القومي الصيني.
يظهر التحول في العلاقات بعيداً عن منطق الصدام الدائم الذي كان قائماً في الماضي في الشرق الأوسط. فالصين الشعبية، بعيداً عن الخطاب التضامني «التقليدي» في بعض القضايا في المنطقة، لها علاقات جيدة تقوم على مصالح فعلية مع القوى المتصارعة أو المتنافسة في الشرق الأوسط، بعيدة كل البعد عن صورة الصين الشعبية القديمة أو الماوية كما يحاول البعض الحفاظ عليها، وبالتالي البناء على ذلك في خطابه أو روايته السياسية أو تمنياته المصلحية.
فالاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط الذي هو مصلحة صينية استراتيجية سياسية واقتصادية، والعلاقات التي صاغتها الصين الشعبية مع «الكل» المتصارع أو المختلف في الشرق الأوسط، كلها تدل إلى هذه المقاربة البراغماتية المتوازنة للصين الشعبية في المنطقة. مقاربة تعكس الرؤية الاستراتيجية لبكين على الصعيد الدولي، ولإدارتها لعلاقاتها الدولية على أساس المصلحة، وليس «خطاب الأمس» الذي ما زال البعض يود المراهنة عليه.
إن تعزيز الدور الصيني على الصعيد الدولي وفي كافة الأقاليم الدولية، صار يمر بشكل خاص من البوابة الاقتصادية، ليعزز الموقع الاقتصادي بالطبع في مختلف الأقاليم بالعالم، وكذلك أيضاً الدور السياسي والموقع الاستراتيجي في النظام العالمي الجديد، أي النظام الجديد الذي تشكِّل الصين الشعبية من دون شك أحد أطرافه الدولية الرئيسية والأساسية في صياغة قواعده وأنماط علاقاته، وصيغ إدارة هذه العلاقات في المستقبل.