التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث

التغيّر الإقليمي... وتحدّيات التحديث

التغيّر الإقليمي... وتحدّيات التحديث

 العرب اليوم -

التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث

بقلم : فهد سليمان الشقيران

مع شدّة التحوّلات الإقليمية؛ وتفشّي حالة التآكل في مؤسسات وكيانات دول، يُطرح النقاش اليومي بشأن «النموذج المنشود»، خصوصاً بشأن إدارة الواقع المعيش، وتدبير شؤون الدنيا، وسوْس الناس، وإدارة مصالح الدولة.

البعض يتمسّك بأطروحاتٍ قديمة تعارض المدنيّة وتعادي النماذج التنموية... بل وترسخ لحُكم الآيديولوجيا ولزعامة الميليشيا ولمرجعية التنظيم.

في المقابل، يصرّ العقلاء والحكماء في البلدان المنكوبة على ضرورة استلهام التجربة البشرية في العصور القريبة والقديمة، واختبار ما تبقّى من مفاهيم فعّالة، ومن بينها مفهومٌ عتيد، وأعني به «الحداثة».

نعم، يمكن للحداثة بفضائها أن تسهم في خلق خياراتٍ اجتماعية وفكرية، وأن تكون شريكةً في رسمٍ تحوّل مشرق. وحدها «الحداثة» قادرة على فكّ شيفرة التأقلم مع الدنيا، وطرح وسائل أفضل مدنيّةً للعيش داخل صرعات العلم وامتداد العالم.

و«الحداثة» تشرح نفسها تبعاً لتبيئتها في أي مجتمع، فهي ليست نموذجاً متكاملاً مقدّساً، وإنما لها عناوينها الرئيسية. من الطبيعي تجدد النقاش بشأن سؤال «الحداثة»؛ وهل هي «حالة أوروبية» أم يمكن لدولٍ شرقيّة أن تستفيد من مخرجاتها وفتوحاتها؟!

لعلّ أبرز من لخّص هذه الفكرة وبشكلٍ متميز الأستاذ جورج طرابيشي، وخلاصة فكرته بشأن تبيئة «الحداثة» كالتالي:

يعدّ طرابيشي أن «الحداثة، ابتداء من الربع الأخير من القرن الثامن عشر، لم تَعُد أوروبية خالصة... فقد بات لها، منذ حرب الاستقلال، امتداد أميركي، مثلما سيكون لها، بعد عصر الميجي في اليابان، امتداد آسيوي. ولكن هذه الامتدادات، التي تنحو إلى أن تكون عالمية أكثر فأكثر، لا تلغي واقعة التطابق الفريد بين (الحداثة) و(أوروبا). فعلى مدى قرون ثلاثة على الأقل، بقيت الحداثة واقعة جغرافية، أي محصورة في أوروبا».

ثم يحلل بأن «هذا الانبثاق التاريخي للواقعة الجغرافية الأوروبية بتوسّط الحداثة هو ما جعل عمانويل تود، المؤرخ والأنثروبولوجي والسوسيولوجي الفرنسي المعاصر، يختار لدراسته عنوان (اختراع أوروبا 106). فلكأن أوروبا لم تكن، بمعنى من المعاني، موجودة قبل القرن السادس عشر».

بل يرى أن «الحداثة نتاج مركّب ساهمت فيه، فضلاً عن الأقطار الأوروبية الثلاثة الكبرى، الأمم المتوسطة الحجم مثل إيطاليا، والصغيرة الحجم مثل هولندا والسويد. بل إذا أخذنا في (الاعتبار) أن الثورة التعليمية اقترنت، (كشرط وكنتيجة) معاً، بثورة لاهوتية، فسنلاحظ أن دور الأمم الأوروبية الصغرى في مولد الحداثة كان فاصلاً: فهولندا وسويسرا والسويد كانت من المراكز المتقدمة للثورة البروتستانتية».

ولا ينتهي طرابيشي عند مفهوم «الحداثة»؛ بل عرَض لمفهوم لم يأخذ طريقه إلى التبيئة وهو «العلمانية»؛ المصطلح الذي ما فتئ يُعامل - كما يقول - منذ لحظة اكتشاف وجوده، معاملة «القريب الفقير».

ويمكنني أن أعلّق على تحليل طرابيشي بنقطتين منطلقتين من الواقع الحالي:

الأولى أن «الحداثة» ليست لغزاً أو سحراً، بل هي ماثلةٌ أمامنا في تطبيقات الدول التنمويّة الصاعدة؛ حداثة في القوانين التي تتماشى مع تطوّر العصر، والتعددية الدينية، والتنوّع العرقي والإثني، ومن ثم حداثات أخرى على مستوى الطبابة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمران، وحداثة اجتماعية تؤسس لنمطٍ محكم يوائم بين الإرث المحمود، وينخرط بقوّة في فتوحات الحداثة والتجديد.

والنقطة الثانية أن «الحداثة» ليست خطّة هندسية، ولا معادلة رياضية، ولا نظرية فيزيائي. إن أفضل تعريفٍ لـ«الحداثة» هو ألا تُعرّف. ما من تعريفٍ متفَق عليه، والتخويف منها فيه جورٌ وجهل، فالحداثة في سنغافورة غيرها في إيطاليا، وفي كوريا الجنوبية غير الحداثة في فرنسا... وهكذا.

الخلاصة أن القلق المنتشر حالياً لدى بعض المجتمعات في الإقليم بشأن «النموذج المقبل» يجب أن يحلّ في درس تجارب الدول القريبة والبعيدة. وأتيتُ بمفهوم «الحداثة» هنا لأثبت أن ثمة مفاهيم لا تزال «شغّالة» وفاعلةً يمكن أخذ الطاقة التنموية منها، والقلق بشأن «النموذج المقبل» لدى الدول المنكوبة طبيعي، ولكن الخطر في الركون إلى نماذج أحادية، أو إلى آيديولوجيات ظلامية.

arabstoday

GMT 13:51 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من البيجرز إلى مادورو: لماذا يرتجف المرشد؟

GMT 13:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ترامب وأوكرانيا... والأمن الأوروبي

GMT 13:46 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مصر وبنين.. فيلم «الباب المفتوح»

GMT 13:44 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الميزة الأساسية لترامب!

GMT 13:41 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الأسئلة الحرجة على جسر بين عامين!

GMT 13:39 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مطلوب نقابة للبلطجية!

GMT 12:26 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 12:25 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث التغيّر الإقليمي وتحدّيات التحديث



بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ العرب اليوم

GMT 23:29 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
 العرب اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 18:04 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
 العرب اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 00:47 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

القاهرة الوجهة البديلة بعد أزمة اليونان

GMT 23:29 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 08:38 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

زلزال بقوة 5.4 درجة يضرب ولاية أسام شمال شرق الهند

GMT 14:49 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

حذف صورة مهينة لمادورو من حساب ترامب على تروث سوشال

GMT 08:28 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

شهيدان و5 إصابات جراء انهيار منزل بمخيم المغازي وسط غزة

GMT 07:36 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مصر تلغي أكثر الإجراءات إغضابا للمسافرين في مطاراتها

GMT 16:47 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة عن عملية القبض على مادورو في فنزويلا

GMT 08:08 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

شهداء في عدوان إسرائيلي متواصل على غزة

GMT 06:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

إصابة فلسطينيين برصاص الاحتلال شمالي القدس

GMT 08:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

هبوط طائرة اضطراريا في ميونخ بعد ظهور رائحة احتراق داخلها

GMT 08:11 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

وفاة الممثل الكوري الجنوبي آن سونغ كي عن 74 عاما

GMT 08:26 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

مطار سخيبول أمستردام يلغي 450 رحلة جوية بسبب الثلوج والجليد

GMT 15:04 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

ترامب يستبعد دور ماريا كورينا ماتشادو في قيادة فنزويلا

GMT 05:53 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

إعلان حالة التأهب الجوي في جميع أنحاء أوكرانيا

GMT 06:43 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال يبدأ إعادة بناء مستوطنات شمال الضفة

GMT 06:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

جيش الاحتلال يطوق رام الله وبلدة بيرزيت في الضفة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab