بقلم: طارق الشناوي
فى ذكرى عبد الحليم حافظ أقيم حفل بدار الأوبرا، أثار المطرب الذى يصفونه بـ «عندليب الأوبرا» أحمد عفت زوبعة، عندما استبدل مقطعًا فى قصيدة «لست قلبى» تأليف الشاعر كامل الشناوى، تلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب من «قدر أحمق الخطى/ إلى قدر واثق الخطى»، معتبرًا أن هناك مخالفة شرعية.. طبق المطرب مقياسًا دينيًا مباشرًا على القصيدة التى غناها عبد الحليم قبل نحو ٦٠ عامًا.
تاريخيًا، لم تكن المرة الأولى، سبق أن تكرر ذلك من بعض مطربى الأوبرا فى العقود الأربعة الأخيرة وبنفس الحجة، الجديد هو أن هناك مسؤولًا (لم يصرح مباشرة باسمه) ذكر كذبًا أن عبد الحليم فعلها فى حياته، والأغرب أن ورثة عبد الحليم دخلوا على الخط وقرروا ركوب الموجة، وأكدوا أنهم سعداء بالتزوير، لم يكتفوا بهذا القدر أضافوا أن روح عبد الحليم حافظ مؤكد أنها أيضًا سعيدة.
تلك القصيدة غناها عبد الحليم ضمن أحداث فيلم «معبودة الجماهير» عام ١٩٦٤، استغرق تصوير الفيلم نحو ثلاث سنوات، وفى عام ٦٧ عند تقديمها للإذاعة والتليفزيون اعترض الشيخ محمد الغزالى واعتبرها خارجة عن القواعد الدينية لأنها من وجهة نظره تلعن القدر متعارضة مع حديث: «لا تلعنوا الدهر فأنا الدهر»، ولكن لم يتم حذفها، إلا أن ما حدث بعد ذلك فى السبعينيات، أن التيار المتشدد تمكن فكريًا من اقتحام مبنى الإذاعة والتليفزيون، وصارت لهم مواقعهم المؤثرة وكوادرهم النشطة، وقاموا فعلًا بحذف عدد من المقاطع بل والأغنيات مثل أغنية صباح «ب فتحة ب» منعوها تمامًا، وصفوها بالخلاعة، وحذفوا مقطعًا من أغنية عبد الحليم حافظ «أول مرة تحب يا قلبى» كلمات إسماعيل الحبروك وتلحين منير مراد، «لسه شفايفى شايلة سلامك/ شايلة أمارة حبك ليه»، وغيرها، ورغم ذلك تحداهم عبد الحليم وكان فى حفلاته، يصر على غنائها كما هى، فى التسعينيات أعيدت المقاطع المحذوفة، هناك من أدرك خطورة تطبيق المعايير الدينية على الفن، إلا أن هذا لم يمنع أن بعض مطربى الأوبرا المصرية وليس فقط أحمد عفت ـ بين الحين والآخر ـ يطبقون معاييرهم على تلك القصيدة وغيرها عندما يقدمونها فى ذكرى عبد الحليم، لديهم قناعة أنهم يجنبون حليم وكامل الشناوى ومحمد عبد الوهاب من تحمل هذا الوزر.
أسوأ ما يمكن أن يصيب المجتمع، هو عندما تسيطر على الحياة مثل هذه الأفكار، أكثر من ٩٠ فى المائة من أغانينا سوف يتم فى هذه الحالة ملاحقتها ومنعها، كل أغنية تبدأ بكلمة «حبيبى» تخالف الشرع الذى يحول دون أن تعلن امرأة أو حتى رجل على الملأ حبه، كم مرة وجدت كلمة «أعبدك» فى أغانينا؟ الرقم يصل إلى مئات، وبعد قليل ستتسع الدائرة لتشمل العديد من أوجه الحياة، نطلب مثلًا من كل مواطن يحمل فى اسم عائلته لقب «عبد النبى» أو «عبد الرسول» تغييره لأنه يخالف الشريعة الإسلامية.
أفهم أن هؤلاء المتزمتين من الممكن أن يتكاثروا خارج نطاق الأجهزة الفنية والإعلامية، ولكن أن نعثر عليهم يملكون القرار ويزيفون الحقائق، معلنين كذبًا أن عبد الحليم فعلها، رغم أن لدينا شهادة من الإذاعية إيناس جوهر أكدت فيها أن عبد الحليم لم يلتزم بحذف المقطع مثلًا فى أغنية «أول مرة تحب يا قلبى».
ويبقى الأخطر هم أسرة العندليب الذين انضموا للزوبعة، رغم أن حقوق الملكية المادية والأدبية من حق ورثة الشاعر الكبير، وليست أبدًا للمطرب، وباعتبارى أحد ورثة الشاعر الكبير كامل الشناوى، فأنا أعلن اعتراضى على الجريمة التى فعلتها دار الأوبرا!.