بدأت بعض شركات الإنتاج الكبرى شراء حق استغلال بالصوت والصورة لعدد من كبار نجوم العالم الراحلين، لتقديم اعمال درامية وغنائية، وهو ما سينتقل بالضرورة إلى عالمنا العربى، وعن طريق استخدام تقنية الذكاء الاصطناعى، سوف يتم توظيف هذه المادة الأرشيفية فى أعمال فنية جديدة.
تابعنا مؤخرا استغلالا فجًّا لأصوات مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم.. المؤكد ستصدر تشريعات قانونية موازية تضع حدودا لكل هذه الاختراقات.
هل توقع الراحلون الكبار أن ما تركوه متناثرا هنا أو هناك سيدخل فى مزاد العرض والطلب، و(ألا أونا ألا دوى ألا ترى) ومن يدفع أكثر يستحوذ على الصفقة؟.
نعرف مثلا أن هناك من يترك وصية للتبرع بأعضائه، وهناك من يوصى بحرق جسده، بينما يظل الرصيد الفنى بمنأى عن كل ذلك.
قالت لى الإعلامية ضفاف، ابنة الشاعر الكبير الراحل كريم العراقى، إن والدها ترك عددا من القصائد، إلا أنها لن تطرحها على الجمهور، فهى لا توقن بأنه قد انتهى بالفعل من مراجعتها، ربما كان سيطل عليها مرة أخرى، قد يغير كلمة أو يضيف أخرى، ولهذا قررت هى والأسرة أن يحتفظوا بها، ويعيدوا فقط مجددا طرح دواوينه التى نشرها فى حياته، مضحين بالمكاسب الضخمة المنتظرة.
بعد رحيل الشاعر الكبير محمود درويش صدر له ديوان (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهى) أثار النشر جدلا واسعا، بسبب عدد من الأخطاء لا يمكن أن يقع فيها الشاعر الكبير، وهذا يؤكد أنه كان سيعيد النظر مرة أخرى قبل طرح الديوان.
البعض يعتبر أن الأعمال الأدبية والفنية التى تركها المبدع ملكية عامة يجب أن يتعرف عليها الناس، ما الذى أدراكم أنه كان راضيا تماما عنها، ألا يوجد احتمال ولو واحد فى المائة بأنه سيمزق القصيدة؟.
قبل عدة سنوات قالت السيدة أم كلثوم ابنة الأديب الكبير نجيب محفوظ، إنها عثرت بين أوراق أبيها على مفكرة، كان يحرص على تدوينها يوميا لتنظيم جدول يومه، أشارت الابنة إلى أنها سوف تراجعها وتنشرها، إلا أنها حتى الآن لم تفعل ذلك، لست موقنا هل تراجعت عن التنفيذ أم أنها تنتظر توقيتا ملائما؟.
الأفضل أن يتم الاحتفاظ بهذه المقتنيات للزمن، ومن الممكن عن طريق دراستها أن نعثر على تحليل إضافى عن أدب نجيب محفوظ، طرحها مباشرة يحتاج للمراجعة أكثر من مرة.
المخرج الكبير الراحل شادى عبد السلام دخل تاريخ السينما من أوسع أبوابه بفيلمه (المومياء) الذى احتل المركز الأول كأفضل فيلم عربى فى استفتاء مهرجان دبى السينمائى الدولى وأشادوا به فى العالم كبار المخرجين مثل مارتن سكورسيزى.
كان شادى بصدد تقديم فيلمه الروائى الثانى (اخناتون)، كتب السيناريو ورشح الأبطال، نادية لطفى ومحمد صبحى وسوسن بدر، بل وحدد أيضا التكوين الدرامى واللقطات، تعثر التنفيذ لأسباب إنتاجية، وعندما تم تجاوز كل تلك العراقيل، اقترحوا قبل نحو ٢٠ عاما على مهندس الديكور الراحل صلاح مرعى الصديق الأقرب لشادى تنفيذ الشريط السينمائى، كما أراده شادى، خاصة أنه كان قد حدد على الورق كل اللمحات الإخراجية، اعتذر صلاح قائلا: (تظل هناك تفاصيل دقيقة جدا، الوحيد القادر على تحقيقها هو شادى) وأضاف لو فعلتها سأعتبرها خيانة لصديق العمر.
ظل السيناريو المعد للتصوير فى أرشيف شادى، لم ولن يرى النور، فمن الذى يجرؤ على تقمص روح شادى؟.
السؤال الحائر سيظل يراودنا: هل يجوز أن نطرح تلك الأعمال مباشرة للجمهور، أم أن هناك حلا آخر، ننشرها فى إطار يسمح أيضا بالمراجعة؟!
أظنه هو الحل الثالث، الذى وافقت عليه السيدة أم كلثوم ابنة كاتبنا الكبير!!.