بقلم : خالد منتصر
تعتبر طقوس الكتابة عند المبدعين من الأشياء المثيرة للفضول والشغف، ويعتبرها الكثيرون أحيانًا مثل السحر، وأحيانًا مثل الأسرار العسكرية، كيف يبدعون؟، وأيضًا ماذا يدفعهم إلى الإبداع والكتابة؟، يرتبط هذا الكشف والتعرى أمام جمهور القراء بمدى ترسخ ثقافة الصدق والصراحة وجسارة الحديث عن النفس، وهذه الثقافة للأسف تنقصنا، فمبدعونا يتجملون كثيراً أمام جمهورهم، ويرتدون أقنعة متعددة وسميكة عندما يتحدثون عن أنفسهم، على عكس مبدعى الغرب، لذلك لجأت د. سارة حامد حواس، صاحبة كتاب «أسرار الكتابة» لسبعة عشر كاتبًا غربيًا كبداية، إلى أن تنقب عن كتاب عرب كشفوا عن سيرهم الذاتية وطقوس كتابتهم بنفس نبرة الصدق، الكتاب الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، من الكتب القليلة فى المكتبة العربية التى تناولت هذا الموضوع، إن لم يكن الوحيد على حد علمى، فضلًا عن الجهد الضخم الذى بذلته د. سارة فى إعداد الكتاب، فالأسلوب جميل ورشيق، والصياغة محكمة،
وتشم رائحة المحبة لهؤلاء المبدعين خلف كل جملة، وفى كل سطر، وفى المقدمة المهمة الشاعرية التى كتبها الشاعر أحمد الشهاوى، لخص فلسفة الكتاب بأنه بمثابة خرائط سرية للكتابة، هناك كتاب من أمريكا مثل فوكنر، ومن ألمانيا مثل جراس، ومن تركيا مثل باموق.. إلخ، إلا أن من يكتبون بالإسبانية من كتاب أمريكا اللاتينية ومعهم ساراماجو الذى يكتب بالبرتغالية، هم الذين جذبونى بمغناطيسهم الذى لا يقاوم، وبسحرهم وجرأتهم ومنحوتاتهم اللغوية وعالمهم المدهش البكر، من يستطيع مقاومة سحر ساراماجو وصراحته، وهو يقول «أنا كاتب مقالات فاشل لجأ إلى كتابة الرواية لأنه لم يعرف كيف يكتب المقال كما ينبغى»، واعترافه بأن رواية «العمى» قد ولدت فى مطعم، عندما سأل نفسه «ماذا لو كنا جميعًا عميانًا؟»، ويقول العالم يعيش العمى الأبيض، فكيف نرسل مركبة إلى المريخ، ونسمح للملايين جوعًا؟!، ويتساءل «هل الرواية هى التى تمنع الإنسان من نسيان نفسه، أم أن عجزه عن النسيان هو ما يدفعه إلى كتابة الرواية؟»، ويؤكد على أنه لا يؤمن بشىء إسمه الإلهام، وقال عبارة تكررت كثيرا بعد ذلك على لسان مبدعين آخرين عن أول شروط الكتابة، وهى أن تجلس ثم تكتب، اجلس وسيأتيك ما تسميه الإلهام، وهذا ذكرنى بما كان يفعله العظيم نجيب محفوظ، الذى كانوا يطلقون عليه رجل الساعة، من صرامته والتزامه بطقس الكتابة اليومى،
وموعدها الثابت، ومن البرتغال إلى كولومبيا التى أنجبت إلينا عبقرى الرواية جابرييل جارثيا ماركيز، يتحدث فى الكتاب عن الجملة التى كتبها كافكا فى مستهل قصته «المسخ»، والتى جعلته روائيًا، يطرح ماركيز أفكاره المدهشة عن الكتابة، والتى تصلح لأن تكون مانيفستو الإبداع الروائى على هذا الكوكب البائس الملىء بالأدعياء، يقول «الكتاب الجيدون يقدرون أكثر بسبب ما يمزقونه، مقارنة بما ينشرونه»، «مهم جدًا الكتابة فى وقت محدد، والانتهاء فى وقت محدد، والتوقف فى الوقت المناسب»، «الكتابة ١٪ إلهامًا، و٩٩٪ جهدًا»، «لا يوجد عندى سطر واحد أو جملة ليست مستندة إلى واقع»، «الشىء الأكثر أهمية أن تكتب، لا أن يكتب عنك»، «لا تحاول جاهدًا وضع مسمار دائرى فى فتحة مربعة»، لا أستطيع تلخيص مثل هذا الكتاب المهم والرائع فى مقال، فكيف ألخص لك سحر جاليانو ابن أورجواى فى كلمة أو جملة، وهو الذى قال واصفًا بداية شرارة الحكى عنده عندما طلب منه عمال المناجم فى بوليفيا أن يحكى لهم عن البحر، فهمس لنفسه «واجبى أن آتيهم بالبحر، وأن أجد الكلمات القادرة على أن تغمرهم به»، ما هذه الروعة، التى لا توازيها أو تساويها روعة إلا روعة وصف يوسا البيروفى والليندى بنت شيلى وغيرهم لأرق وقلق ومعاناة الكتابة والإبداع، الكتاب محاولة لضغط مجرة نجوم فى نواة خلية، مغامرة لكنها تستحق.