بقلم: خالد منتصر
عادة ما نحتاج كل يوم لسكرين شوت من صورة أو شات لنرسلها لصديق عبر الواتس آب، لكن المستقبل يخبرنا بأن هناك سكرين شوت للعالم من الممكن أن يحدث فى نفس اللحظة، سكرين شوت كونى، يشاهده العالم ويتعامل جماعيًا على أساسه، تخيل أن ملايين البشر فى المستقبل،
وليس بعد مئات السنين، ولكنها مجرد سنوات قليلة، من دون أن يتحدثوا معًا أو ينسقوا فيما بينهم، يعملون فى اللحظة نفسها كأعضاء فى جهاز واحد يستشعر ما يحدث على الأرض، قد يبدو هذا المشهد من أفلام الخيال العلمى،
لكنه أصبح يقترب من الواقع بفضل السمارت فون، والذكاء الاصطناعى، ويُطلق العلماء على هذا المفهوم اسم الاستشعار الاجتماعى أو الاستشعار الجماعى، حيث تتحول الأجهزة التى يحملها الناس أو يستخدمونها يوميًا إلى شبكة هائلة تجمع البيانات وتفسرها لخدمة المجتمع،
لقد صُدم المصريون خاصة من حملة الأندرويد، بموبايلاتهم تخبرهم قبل الزلزال بثوانٍ، سيهتز سريرك يا صاحبى، قم، هناك زلزال، Alarm، فبدلًا من الاعتماد على عدد محدود من محطات الرصد، أصبحت ملايين الهواتف المزودة بحساسات الحركة قادرة على التقاط الاهتزازات وإرسالها فى لحظات إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعى، التى تحللها ثم تطلق الإنذار المبكر، لكن هذه ليست سوى البداية، هذا مثال بسيط للثورة القادمة، الزلزال العلمى القادم، فى المستقبل،
قد يصبح الاستشعار الاجتماعى حاضرًا فى كل تفاصيل الحياة، وليس الزلزال فقط، فعند اندلاع حريق فى منطقة ما، يمكن لمئات الهواتف وأجهزة استشعار الدخان والسيارات المتصلة بالشبكة أن تكتشف الحدث فى ثوانٍ، فتحدد مكانه بدقة، وتوجه أقرب سيارات الإطفاء إليه، وتفتح لها إشارات المرور تلقائيًا، بينما ترسل تنبيهات للسكان لتجنب المنطقة، وفى المجال الصحى، قد تتمكن الساعات الذكية من رصد ارتفاع غير طبيعى فى معدلات الحرارة أو نبض القلب لدى أعداد كبيرة من الأشخاص فى مدينة معينة، لتكتشف السلطات الصحية بداية انتشار وباء قبل أن تمتلئ المستشفيات بالمرضى،
وقد يسهم تحليل مياه الصرف الصحى، وبيانات المستشفيات، والأجهزة المنزلية الذكية فى رسم خريطة مبكرة لانتشار الأمراض واتخاذ إجراءات استباقية، أما فى المدن الكبرى فستراقب آلاف الحساسات جودة الهواء، ومستويات الضوضاء، واستهلاك المياه والكهرباء، وكثافة المرور، وستحلل أنظمة الذكاء الاصطناعى هذه البيانات لحظة بلحظة، فتعدل إشارات المرور، وتوجه السائقين إلى طرق أقل ازدحامًا، وتكشف تسربات المياه قبل تحولها إلى أزمات، وتخفض استهلاك الطاقة من دون أن يشعر السكان بأى تغيير فى نمط حياتهم، وقد يمتد هذا المفهوم إلى الزراعة أيضًا، حيث ترصد حساسات التربة والرطوبة والطقس احتياجات كل جزء من الأرض الزراعية، فتوجه أنظمة الرى إلى الأماكن الأكثر احتياجًا، وتقلل هدر المياه، وتزيد الإنتاج الزراعى،
لكن هذه الثورة تطرح فى الوقت نفسه تحديات لا تقل أهمية عن فوائدها، فكلما زادت كمية البيانات التى تجمعها الأجهزة، ازدادت الحاجة إلى حماية الخصوصية ومنع إساءة استخدامها، وسيكون نجاح الاستشعار الاجتماعى مرهونًا بوجود قوانين واضحة تضمن أن تبقى البيانات فى خدمة الإنسان، لا وسيلة لمراقبته أو انتهاك حريته، ورغم هذه التحديات، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا، فالعالم يتجه نحو مجتمع لا تعمل فيه الأجهزة بشكل منفصل، بل تتعاون باستمرار لتكوين صورة لحظية لما يجرى من حولنا.
وإذا كان القرن العشرون قد شهد بناء شبكات الكهرباء والطرق والاتصالات، فإن القرن الحادى والعشرين يبنى شبكة جديدة من نوع مختلف: شبكة من الحواس الرقمية، تجعل الكوكب كله يبدو وكأنه يمتلك جهازًا عصبيًا واحدًا، وفى هذا العالم، لن يكون الذكاء الاصطناعى مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة أو كتابة النصوص، بل العقل الذى يفسر إشارات هذا الجهاز العصبى العالمى، ويساعد البشرية على أن تصبح أسرع استجابة للكوارث، وأكثر كفاءة فى إدارة مواردها، وأقدر على حماية الإنسان والبيئة.