محمّد السّادس من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد

محمّد السّادس: من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد

محمّد السّادس: من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد

 العرب اليوم -

محمّد السّادس من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد

بقلم : نديم قطيش

نادراً ما اجتمع في يوم واحد مشهدان يحملان هذا القدر من التناقض، ويصدران معاً عن حقيقة مغربيّة واحدة. في مساء التاسع والعشرين من تمّوز، قدّم الملك محمّد السادس للمغاربة صورة بلد يثبّت موقعه داخل مرحلة جديدة من تاريخه. تحدّث عن اقتصاد ينمو بنحو 4.9 في المئة، وينتج قرابة مليون سيّارة، ويصنع أجزاء محرّكات الطائرات، ويستقبل عشرين مليون سائح، ويؤسّس لصناعات البطّاريّات والهيدروجين الأخضر.

في اليوم التالي، شهد شمال المغرب أكبر موجة عبور في تاريخه. عشرات الآلاف اندفعوا بحراً نحو سبتة، الخاضعة للسيادة الإسبانيّة، والتي يعتبرها المغرب، إلى جانب مليلية والجزر الجعفريّة، أجزاء سليبة من أرضه، وآخر معاقل الاستعمار الأوروبيّ في إفريقيا. بدا التناقض صارخاً: دولة تعرض أرقام التصنيع والتصدير، وشباب يلقون بأنفسهم في البحر بعد إشاعة تقول إنّ من يصل سباحة لن تعيده إسبانيا فوراً.

جَعْلُ سبتة خلاصةً لتجربة المغرب يسيء فهم الأمرين معاً. فالأزمة طُويت سريعاً، بينما بقي خطاب العرش إعلاناً عن اتّجاه الدولة. كانت سبتة صدمة أمنيّة واجتماعيّة كشفت ثغرات حقيقيّة، وكان الخطاب عرضاً مفصّلاً لمشروع ينمو ويتعزّز من مصانع القنيطرة وطنجة – المتوسّط إلى موانئ الأطلسيّ، ومن الصحراء إلى غرب إفريقيا.

من تثبيت الدّولة إلى توسيع أثر النموّ

أمضى محمّد السادس القسم الأوّل من عهده ملكاً محارباً بالمعنى السياسيّ والاستراتيجيّ. أدار المصالحة الوطنيّة المعقّدة بعد “سنوات الرصاص”، وحمى الدولة من الإرهاب وتداعيات الربيع العربيّ، ودافع عن مغربيّة الصحراء حتّى باتت خلفه، وأعاد المملكة إلى عمقها الإفريقيّ السياسيّ والاقتصاديّ.

ظهر في خطاب العرش السابع والعشرين، أقرب إلى رئيس تنفيذيّ لمشروع وطنيّ طويل الأجل. تحدّث بلغة الإنتاج والتمويل وسلاسل التوريد والادّخار المؤسّساتيّ، وطلب من المصارف والإدارة والقطاع الخاصّ رفع سرعة التمويل والاستثمار وتوسيع أثر النموّ خارج الأقطاب الكبرى.

يعكس هذا التحوّل في القاموس الملكيّ ثقة بأنّ معارك تثبيت الدولة قطعت شوطاً حاسماً، وأنّ المعركة المقبلة هي تحويل الاستقرار والإنجاز الصناعيّ إلى أثر اجتماعيّ أعمّ وأشمل.
أمضى محمّد السادس القسم الأوّل من عهده ملكاً محارباً بالمعنى السياسيّ والاستراتيجيّ. أدار المصالحة الوطنيّة المعقّدة بعد “سنوات الرصاص”، وحمى الدولة من الإرهاب

صناعة النّفوذ الاقتصاديّ

وما تجديد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اعتراف واشنطن بالسيادة المغربيّة على الصحراء، ودعمه مقترح الحكم الذاتيّ أساساً وحيداً لحلّ سياسيّ دائم، وربطه بين الاعتراف السياسيّ والتنمية والاستثمار في الأقاليم الجنوبيّة المغربيّة، إلّا تأكيد على أنّ مكانة المغرب ليست مجرّد طموح لحاكم أو سرديّة وطنيّة. المغرب، بوّابة أطلسيّة بين أوروبا وغرب القارّة، ومنصة صناعية، وعقدة للطاقة والتجارة، يعترف بها العالم كقوّة وسطى صاعدة.

من هنا تكتسب معناها الكامل مشاريع طريق تزنيت الداخلة، بطول يتجاوز 1,000 كلم، وسمّيت باسم الرئيس ترامب، وميناء الداخلة الأطلسيّ، والمبادرة المغربيّة لإتاحة الأطلسيّ لدول الساحل. فمدخل تثبيت السيادة أن تصبح الأرض جزءاً فاعلاً في الاقتصاد، وأن تتحوّل الطرق والموانئ إلى وقائع سياسيّة وإقتصاديّة تتجاوز البلد المعنيّ.

في السياق نفسه يندرج خطّ أنبوب الغاز الإفريقيّ الأطلسيّ بين نيجيريا والمغرب. يعيد المشروع، الذي يمتدّ بمحاذاة الساحل الغربيّ للقارّة وصولاً إلى المغرب ثمّ أوروبا، رسم العلاقة بين غربيّ إفريقيا والأسواق الأوروبيّة، ويمنح الدول الـ 13 الواقعة على مساره الطاقة وفرصة تطوير الصناعة، ويحوّل المغرب من مستورد في نهاية خطوط الآخرين إلى مركز عبور وربط في سلاسل التوريد العالميّة.

سبتة تكشف فجوة المغرب الجديد

لن تظهر نتائج المشروع غداً، ولا تزال أمامه تحدّيات التمويل والتنفيذ. لكنّ قيمته السياسيّة بدأت قبل وصول أوّل متر مكعّب من الغاز، إذ يؤسس لجغرافيا طاقة لا تبقى رهينة لمسار واحد في القارّة وعرضة لتقلّبات أعنف بقعة أمنيّة في العالم.

هذا هو جوهر المغرب الذي عرضه محمّد السادس: الميناء يخدم المصنع، والطاقة تجذب الاستثمار، والدبلوماسيّة تحمي المنظومة.

ثمّ جاءت حادثة سبتة.

بدأت الأزمة بحكم قضائيّ إسبانيّ ميّز بين من يتجاوز السياج البرّيّ ومن يصل سباحة، فحوّلت شبكات التهريب والحسابات المحرّضة تفصيلاً قانونيّاً معقّداً إلى جملة واحدة: البحر مفتوح.

وفّرت عطلة عيد العرش، أرضيّة لاستثمار الحركة البشريّة الكثيفة المرتبطة بالمناسبة، وخلط المتنقّلين والمحتفلين بحشود الراغبين في الهجرة غير النظاميّة. كنت يومها على الطريق إلى الاحتفال في القصر الملكيّ في المضيق، على بعد نحو عشرين كيلومتراً من سبتة، وشاهدت بأمّ العين كثافة الحركة والارتباك الذي رافقها، قبل أن تتّضح أبعاد ما يحصل حولنا.

تتحمّل الحكومة الإسبانيّة المسؤوليّة الأولى عن سوء إدارة آثار الحكم. كان عليها أن تدرك أنّ التمييز بين البحر والسياج سيُسوَّق بوصفه ممرّاً مفتوحاً، وأن تشرح فوراً أنّ الوصول إلى سبتة لا يعني دخول البرّ الإسبانيّ أو فضاء شنغن، وتعزّز انتشارها البحريّ والأمنيّ قبل تحوّل الإشاعة إلى حشد.

لكنّ المسؤوليّة الإسبانيّة لا تلغي السؤال المغربيّ. شبكات التهريب لا تخلق من العدم عشرات الآلاف المستعدّين للمخاطرة. كان هؤلاء موجودين في الفنيدق وتطوان والناظور، وفي مناطق ترى المغرب الجديد، وتعرف أنّ بلادها تصنع السيّارات وتبني الموانئ، ثمّ لا تجد دائماً وظيفة مستقرّة أو تعليماً يفتح باب سوق العمل.

بين سرعة الدّولة وبطء وصول التّنمية

قالت احتجاجات “جيل زد 212” الشيء نفسه قبل أشهر بلغة السياسة، وقالته سبتة بلغة البحر: المغرب يتقدّم، لكنّ تقدّمه لا يصل إلى الجميع بالسرعة نفسها.

هنا تأتي مفارقة خطاب العرش. فإذا كان من جواب على التحدّيات التي تعبّر عنها انتفاضة الشباب قبل أشهر وحادثة سبته اليوم، فهو في السياسات التي عرض الملك محمّد السادس أرقامها ومعطياتها. حين يطالب الملك بتوسيع تمويل الشركات الصغيرة، وربط الادّخار بالتصنيع، وتعميم التنمية على الأقاليم كافّة، فهو يتحدّث عن الحلقة الناقصة في النموذج المغربيّ.

نجحت الدولة في جذب المصنع العالميّ. يبقى أن تحوّله إلى شبكة من المورّدين المحليّين والمهندسين والفنّيّين والمشروعات العائليِة، وأن تجعل الميناء مُنشِئاً لطبقة وسطى، لا مجرّد بوّابة للتصدير.

أظهرت سبتة حجم التحدّي، لكنّها أظهرت أيضاً قدرة المغرب على احتواء صدمة أمنيّة كبيرة من دون انهيار مؤسّسيّ أو انفجار سياسيّ طويل. استعادت الحدود هدوءها سريعاً، وبقيت الدولة متماسكة واتّجاهها الاستراتيجيّ ثابتاً.

في التاسع والعشرين من تمّوز عرض الملك خريطة المغرب الذي يبنيه: دولة مستقرّة، صناعيّة، ذات موقع دوليّ متقدّم. وفي اليوم التالي حاول البحر فرض خريطة أخرى: شباب مستعجل، وإشاعة أسرع من المؤسّسات، وثغرة إسبانيّة تحوّلت إلى مأساة.

طُويت موجة سبتة، وبقي المشروع الأكبر.

التحدّي الآن أن يصبح المصنع أسرع من الإشاعة، والمدرسة أسرع من المهرّب، وفرصة العمل أسرع من البحر.

arabstoday

GMT 05:48 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

ردّ السعودية... وانكشاف العراق

GMT 05:28 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

ليس هذا وقت الشماتة !

GMT 05:04 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

«مصنع السحاب»... خطيئةٌ اسمُها «الوعى»

GMT 05:02 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

مقدسات ومسيرات

GMT 05:00 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

سرديات الحروب

GMT 04:59 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

من فتح باب سبتة؟

GMT 04:57 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

طريق ترامب فى المغرب

GMT 04:56 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

الاعتزال بناء على طلب الجماهير!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمّد السّادس من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد محمّد السّادس من الملك المحارب إلى ملك المغرب الجديد



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ العرب اليوم
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab