روبيو في ميونيخ الاتّهام المخمليّ لأوروبا

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

 العرب اليوم -

روبيو في ميونيخ الاتّهام المخمليّ لأوروبا

بقلم : نديم قطيش

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب لطبيعة التحالف عبر الأطلسيّ بين أميركا وأوروبا، التي تقوم على الهويّة الحضاريّة، إعادة إحياء التصنيع، السيادة الحدوديّة للدول، ونظام دوليّ تشاركيّ مبنيّ على القوّة الأميركيّة.

لم تخفِ لغة الخطاب الدافئة ونبرته التصالحيّة، رسالة واشنطن الواضحة لأوروبا بخصوص تقييم الواقع الراهن وتحديد شروط العلاقة بين ضفّتي الأطلسيّ في المستقبل. صحيح أنّ روبيو تجنّب المقاربة الصداميّة والصادمة التي ميّزت خطاب نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس في ميونيخ العام الماضي، لكنّ هذا الفارق “الأسلوبيّ” بين الرجلين، ليس تعبيراً عن “اعتدال” ما طرأ على الرؤية الأميركيّة. الأدقّ أنّ روبيو غلّف بالمخمل المطالب الأميركيّة نفسها من أوروبا، بشأن زيادة الإنفاق العسكريّ، وضرورة التخلّص من ثقافة الشعور بالذنب التي تتبنّاها النخب الأوروبيّة حيال تاريخ القارّة، وأن تتخفّف أوروبا من كبرياء يمنعها من الإقرار بالقيادة الأميركيّة. استلّ مشاعر المودّة والتراحم بين الأجداد الذين صنعوا المصير المشترك وأمعن في الإطراء الحضاريّ، مقدّماً أميركا كفرد مهتمّ بشؤون العائلة الحضاريّة الغربيّة بدلاً من كونها دائناً نفد صبره يطالب بمستحقّاته.

التحوّل من فانس إلى روبيو إذاً، ليس تراجعاً في المواقف، بل هو تطوّر في الأداء، يضع القادة الأوروبيّين في موقف أكثر حرجاً ممّا فعلته عدائيّة فانس، وإن كان من السهل تجاهل من يهينك، فمن الصعب جدّاً تجاهل من يدّعي حبك وهو يخبرك أنّ كلّ ما بنيته كان خطأً فادحاً.

عليه ظلّ الخطاب في العمق، لائحة اتّهام قاسية تعدِّد أوجه القصور الأوروبيّ. أدان روبيو بلا تردّد إجماعات ما بعد الحرب الباردة والاعتقاد الساذج بنهاية التاريخ وانتصار نموذج الحضارة الغربيّة الديمقراطيّة. واعتبر أنّ كلّ ما تلا ذلك من سياسات أوروبيّة، هي أخطاء طوعيّة، مثل خفض التصنيع، والتساهل في قوانين الهجرة، والتبعيّة المؤسّسيّة لبيروقراطيّات أمميّة عاجزة ومترهّلة، مقترحاً أنّ المخرج من هذا التردّي هو الاصطفاف الحاسم تحت القيادة الأميركيّة. فالقوّة الأميركيّة الصلبة، من ضربات قاذفات B2 ضدّ إيران إلى عمليّات القوّات الخاصّة في فنزويلّا، هي، بحسب روبيو، العنصر الوحيد القادر على تحقيق إنجازات فعليّة.
رسم روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب لطبيعة التحالف عبر الأطلسيّ بين أميركا وأوروبا

    الإطار الحضاريّ يحلّ محلّ الإطار المؤسّسيّ:

أعاد روبيو تركيز العلاقة العابرة للأطلسيّ حول التراث المسيحيّ المشترك، وقيم الثقافة الغربيّة الناشئة عنه، بدلاً من القواعد القانونيّة والسياسيّة والبنى المؤسّسيّة. وفي هذا إحياء واضح للهويّة والأصل كرابط بين أميركا وأوروبا بدلاً من الأطر القانونيّة التعاقديّة، ممّا يبرّر التعامل الانتقائيّ مع القانون الدوليّ والمؤسّسات.

لكن تجدر الإشارة إلى أنّ استعارات روبيو الحضاريّة والتاريخيّة التي صمّمها لمغازلة الأوروبيّين الموجودين في القاعة، من دانتي إلى فرقة البيتلز، ومن المستكشفين الإيطاليّين إلى المزارعين الألمان، اقتصرت بشكل حصريّ على أوروبا الغربيّة. أمّا أوروبا الشرقيّة فلم ترد في سياق كلامه إلّا كمتلقٍّ سلبيّ للتحرّر في الحرب الباردة. قد يقتصر الأمر على سهو خطابيّ، وقد يكون كاشفاً لتوتّر بنيويّ في جوهر الخطاب. فبولندا ودول البلطيق وأوروبا الشرقيّة بشكل عامّ هي الأكثر إنفاقاً على الدفاع وأكثر شركاء الناتو ولاءً لأميركا، وهم بالضبط من يستحقّ الإشادة والمكافأة. مع ذلك، فإنّ الإطار الحضاريّ القائم على التقارب الثقافيّ والعرقيّ الذي طرحه روبيو، بدا مهتمّاً بمخاطبة واستمالة مجموعة مختلفة تماماً من الشركاء، هم الأوروبيّون الغربيّون. فهل القرابة الثقافيّة أم ميزانيّات الدفاع هي التي تحدّد المكانة في هذا النظام الأميركيّ الجديد؟ وهل يلتقي هذان المعياران دائماً؟ وماذا يحدث عندما يفترقان؟

لا تجيب أطروحة روبيو عن أيّ من هذه التساؤلات الملحّة حول مستقبل العلاقة بين ضفّتي الأطلسيّ.

    ما بعد الأمم المتّحدة والنّظام المتعدّد الأطراف وليس تفكيكهما:

لا يقترح روبيو مغادرة الأمم المتّحدة أو النظام المتعدّد الأطراف، إنّما يطعن ببساطة في جدوى الاثنين وفاعليتهما، واضعاً القوّة الأميركيّة الصلبة الأحاديّة الجانب كآليّة وحيدة تحقّق النتائج. ولئن كان الانسحاب من هذه الأطر يثير استنفاراً مؤسّسيّاً حكومياًّ حول العالم، اختار روبيو، باسم إدارة ترامب، التهميش والتهشيم للأطر الدوليّة التي يرونها بائدة كاستراتيجية يُراد لها أن تسرّع ضمورها. فمن خلال عدم مهاجمة النظام الدوليّ التعدديّ بشكل مباشر، يحرم روبيو المدافعين عنه من خوض معركة واضحة بينما يستنزف شرعيّته بثبات. هذه هي بالضبط البنية الفكريّة لسياسة خارجيّة صفقاتيّة، تُبقي المؤسّسات قائمة، لكن تسرّع انتقال السلطة الفعليّة إلى العلاقات الثنائيّة أو الأطر البديلة، مثل مجلس السلام، حيث السيادة لعظمة النفوذ الأميركيّ.
استخدم القادة الأوروبيّون النوستالجيا الحضاريّة الغربيّة والحنين للمجد الأوروبيّ كرافعة لتسريع “الاستقلال الاستراتيجيّ” الأوروبيّ عن واشنطن

    “التّردّي الأوروبيّ” خيار:

من خلال إعادة تعريفه لتراجع التصنيع وتبعات الهجرة غير الشرعيّة والتبعيّة في مجال الطاقة كسلسلة من الأخطاء السياسيّة وليس كنتائج هيكليّة، يجادل روبيو بأنّ هذه المسارات قابلة للتغيير من خلال الإرادة والإدارة. هذه الأطروحة الإرادويّة ليست مجرّد تبسيط مفرط للديناميكيّات العالميّة المعقّدة، بل هي العمود الفقريّ لمنطق الخطاب بأكمله. فإذا كان الانحدار مدفوعاً بقوى تتجاوز السيطرة السياسيّة، مثل تدفّقات رأس المال العالميّ أو التحوّلات الديمغرافيّة أو حقائق سوق الطاقة، فإنّ وعد الخطاب بالنهضة من خلال الإرادة الوطنيّة ينهار تماماً. في حين أنّ سرديّة خيانة النخبة لمصالح الناس وتردّي الكفاءات الذي يمنع النهوض الوطنيّ، لا تنجح إلّا إذا قبلنا أنّ النخب كانت تملك القدرة على الاختيار بشكل مختلف ولم تفعل. وهذا هو صلب الترامبيّة السياسيّة. يستمدّ هذا الطرح قوّته من أنّه يعيِّن متّهماً محدّداً يُلقى عليه باللوم. واللوم يمهّد الطريق لمنح التفويض السياسيّ لنخب جديدة في أوروبا تكون أكثر تواؤماً مع الإدارة الأميركيّة، وهو ما تعده الدوائر الأوروبيّة الاستراتيجيّة تدخّلاً جراحيّاً خطِراً في المستقبل السياسيّ لأوروبا.

    الخطاب يخاطب الشّعوب الأوروبيّة وليس القادة فقط:

كان واضحاً أنّ الموضوعات التي طرحها خطاب روبيو، مثل مناهضة الهجرة غير الشرعيّة، ومعارضة سياسات المناخ الأيديولوجيّة، والافتقار الى الافتخار الثقافيّ والهويّاتيّ، وخيانة النخبة، تعكس الرسائل الجوهريّة للحركات الشعبويّة اليمينيّة في جميع أنحاء أوروبا. وهذا ليس من قبيل المصادفة. فروبيو يشير إلى أنّ شركاء إدارة ترامب الطبيعيّين في أوروبا ليسوا بالضرورة المؤسّسة الحاكمة الحاليّة، بل قادة مثل جورجيا ميلوني في إيطاليا وفيكتور أوربان في النمسا وشخصيّات داخل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD). ويؤدّي التأطير الحضاريّ وظيفة مزدوجة هنا: فهو يتحدّث فوق رؤوس الحكومات الأوروبيّة الوسطيّة مباشرة إلى منافسيها المحلّيّين، مانحاً إيّاهم شرعيّة التأييد الأميركيّ. وبهذا المعنى، فإنّ الخطاب ليس مجرّد تواصل دبلوماسيّ، بل هو شكل من أشكال الحرب السياسيّة التي تُمارَس من خلال وسيلة الخطاب الدبلوماسيّ، ممّا يؤدّي إلى مواءمة السياسة الخارجيّة الأميركيّة مع اليمين المتمرّد في أوروبا بطريقة تعيد هيكلة العلاقة العابرة للأطلسيّ من الداخل إلى الخارج.

    الغياب الواضح للصّين وروسيا هو تكتيك وليس أيديولوجية:

لم يذكر روبيو خصومه الأساسيّين بالاسم أبداً. بدلاً من ذلك استخدم عبارات مثل “الخصوم والمنافسين” و”أسرع حشد عسكريّ في تاريخ البشريّة”. القراءة الأكثر منطقيّة لهذا الحذف هي تكتيكيّة وليست أيديولوجيّة. ففي ميونيخ، مع جمهور أوروبيّ مهيّأ سلفاً للتفكير في التهديد الروسيّ والتحدّي الصينيّ، كان من شأن تسمية أيّ منهما أن يعيد تصويب النقاش نحو منطق التحالفات المؤسّسيّة بين أوروبا وأميركا، وهو ما يعمل خطاب روبيو على إزاحته. فتسمية روسيا تستدعي التفكير في مشاكل الناتو، وتسمية الصين تستدعي السجال مجدّداً حول تقاسم الأعباء. وكلاهما يسحب الجمهور نحو الإطار المتعدّد الأطراف القائم على المعاهدات، والذي صُمّم الخطاب لتجاوزه. أمّا من خلال إبقاء الخصوم غير مسمَّيْن، يحتفظ روبيو بالسيطرة الخطابيّة على الحوار الجاري، ويعيد توجيهه نحو التجديد الحضاريّ الأوروبيّ المطلوب، والذي يريد وضعه كأجندة أساسيّة، بصرف النظر عن أيّ شمّاعات صينيّة أو روسيّة. ومعنى ذلك أنّ الضعف الغربيّ، بالنسبة لإدارة ترامب، يمثّل مشكلة استراتيجيّة أكبر من أيّ تهديد خارجيّ محدّد.

في المقابل استخدم القادة الأوروبيّون النوستالجيا الحضاريّة الغربيّة والحنين للمجد الأوروبيّ كرافعة لتسريع “الاستقلال الاستراتيجيّ” الأوروبيّ عن واشنطن. استخدم الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون المنصّة نفسها للدعوة إلى برنامج مشاركة نوويّة أوروبيّ وإطار عمل “للتعايش” مع روسيا. ودعت رئيسة المفوضيّة الأوروبيّة فون دير لاين إلى تفعيل بند الدفاع المشترك للاتّحاد الأوروبيّ. وهنا مفارقة خطاب روبيو. فمن خلال الإلحاح على الأوروبيّين أنّ حضارتهم تستحقّ الدفاع عنها، ربّما يكون روبيو قد منحهم المسوّغ الخطابيّ للدفاع عن الحضارة الأوروبيّة بشكل مستقلّ عن الولايات المتّحدة ما لم يكن في مواجهة سطوتها. لقد صُمّم الخطاب ليكون استدعاءً للعودة إلى كنف القيادة الأميركيّة، لكن في أوروبا من سمعه “كسبب إضافيّ” للاستقلال الأوروبيّ.

arabstoday

GMT 07:30 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

تجديد الحياة السياسية..

GMT 03:39 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

إيران والمكابرة… على طريقة صدّام

GMT 03:35 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

سلام وخناجر

GMT 03:34 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

ترمب وإعادة إيرانَ إلى إيران

GMT 03:32 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

من أساطير الأوَّلين للآخرين

GMT 03:30 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

معنى الحياة فى ذكرى هيكل العاشرة

GMT 03:29 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

الملك المصرى على مسرح أنفيلد

GMT 03:28 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

روبيو في ميونيخ الاتّهام المخمليّ لأوروبا روبيو في ميونيخ الاتّهام المخمليّ لأوروبا



فساتين سهرة غير تقليدية تضيء سهرات عيد الحب بإطلالات النجمات

بيروت - العرب اليوم

GMT 05:36 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

إليسا تطلق أغنية "على قد الحب" الرومانسية

GMT 05:58 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

هاري كين يتخطى رقم رونالدو القياسي بسرعة مذهلة

GMT 04:26 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab