بقلم : جبريل العبيدي
بعد مُضي نحو 14 سنة، يُعاد فتح ملف مقتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، في بنغازي عام 2012 في ذكرى «أحداث سبتمبر (أيلول) 2001»؛ جراء اعتداء إرهابي على القنصلية الأميركية... وهو ملف مثير للجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين في أميركا، لدرجة الملاحقة القضائية التي كان يهدِّد بها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إبان حملته الانتخابية لولايته الرئاسية الأولى.
وكان مسلحون هاجموا، في ليلة 11 سبتمبر 2012، ببنادق وقاذفات وقنابل، بوابةَ مجمع القنصلية الأميركية وأضرموا النار في المباني. وأدى الهجوم إلى مقتل 4 أميركيين، بينهم السفير الأميركي لدى ليبيا آنذاك، كريستوفر ستيفنز، وكانت السفارة تبعد كيلومترات قليلة عن فرقة عسكرية أميركية تابعة لقوات الـ«مارينز» في بنغازي، لكنها لم تشارك في صد الهجوم ولا حتى إنقاذ السفير الذي نقله إلى المستشفى مواطن ليبي من الجيران بعد أن فرّ المهاجمون من دون أن يتحققوا من موت السفير وباقي الأشخاص.
فُتح الملف بعد سنوات طويلة؛ رغم أنهم أمسكوا بقائد الهجوم ومدبره عام 2014، وهو الآن يقضي عقوبة بالسجن المؤبد؛ وعادت القضية إلى الواجهة من جديد بعد تسلم القوات الأميركية أحد الإرهابيين المتهمين في الهجوم على مبنى القنصلية، الذي وضع وزارة الخارجية الأميركية؛ المسؤولة عن تأمين البعثات الدبلوماسية الأميركية حول العالم، في موقف حرج، بل واتهام؛ لأنها تركت السفير الأميركي يزور القنصلية في بنغازي ليلة ذكرى «11 سبتمبر»، من دون حماية أمنية كافية، واكتفت بحراس محليين، حيث كانت بنغازي عام 2012 تحت سيطرة جماعات إرهابية؛ منها تنظيم «القاعدة»، الأمر الذي دفع بكثيرين إلى اتهام هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية حينها، بالتقصير، بل تطرف البعض حتى اتهامها بالشراكة في تصفية السفير؛ كما كان يردد المرشح الرئاسي حينها دونالد ترمب، الذي هدد باعتقالها ومحاكمتها حين يصبح رئيساً، لكنه لم يفعل.
المعتقل الجديد الزبير البكوش أصبح خلف القضبان الأميركية، وهو يوصف بأنه «الصندوق الأسود»، وذلك بعد أن أعلن «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)» الأميركي، أن المشتبه في تورطه بالهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي الليبية عام 2012 «أصبح في قبضة الولايات المتحدة»... كما نُشرت صور له وهو مسلح مرتدياً سترة واقية وسط القنصلية الأميركية والنيران تشتعل فيها بعد مقتل السفير ومرافقيه.
ما يطرح كثيراً من الأسئلة أن البكوش كان يتنقل ويتحرك في طرابلس، وكان يسكن في مكان معلوم؛ وقد قُبض عليه من داخل منزله، ولم يكن مختبئاً أو متخفياً. السؤال: لماذا اعتُقل الآن وهو معلوم الشخصية والمكان منذ زمن؛ إذ كان يمارس حياته الطبيعية ويعيش في منزله بإحدى عمارات طريق المطار بالعاصمة طرابلس؟ كان البكوش من سكان بنغازي سابقاً، لكنه فرّ منها بعد انطلاق «عملية الكرامة» التي أطلقها الجيش الليبي لملاحقة الإرهابيين.
يذكر أن البكوش ينتمي إلى ما يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي» المنتمي عقائدياً إلى تنظيم «القاعدة».
كان السفير ستيفنز يجيد اللغة العربية والفرنسية، وعمل متطوعاً في شمال أفريقيا، وكان سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا منذ مايو (أيار) 2012 وحتى مقتله، وقد كان مسانداً وصديقاً لليبيين، ولهذا يعدّ قتلُه وإحراقُ مبنى القنصلية في بنغازي حراماً شرعاً؛ لأنه يقع ضمن «حرمة قتل المستأمنين»، بحكم اتفاقية دبلوماسية هي في الأصل عهد أمان، تعهد به بلد مسلم هو ليبيا، ممثلاً في وزارة الخارجية... وهذا يعدّ خيانة.
السفير كان يعمل لمصلحة ليبيا وشعبها... جاءها مناصراً للحرية، مؤمناً بحق الليبيين في الديمقراطية والتحرر من دولة الفرد، فحاول جاهداً مراراً أن يكون لبنغازي مكان بارز على أجندة السياسة الأميركية، فسعى إلى تعجيل فتح القنصلية؛ بدءاً بفتح القسم الثقافي، ووعد بمنح التأشيرات من بنغازي، وكان يقول: «أعُدّ نفسي محظوظاً لمشاركتي في هذه الفترة الرائعة من التغيير والأمل في ليبيا»، في حين كان الجناة يعملون باتجاه تخريب ليبيا، وتحويلها أفغانستان جديدة، والدخول في نفق الفوضى المظلم، وتحويل ليبيا دولةً فاشلة.
السفير الصديق قتلته فئة ضالة، تظن أنها وحدها مَن يفهم الإسلام وأن غيرها كافر. وقد لا يعلم من قتل السفير أنه كان يجيد اللغة العربية وقرأ القرآن الكريم، ولا أعتقد أن ثمة مبرراً لقتله؛ سواء أكان بالرصاص أم الاختناق جراء الدخان، كما يردد البعض، فالمتسبب في القتل حقق هدفه، وهو التخلص من رجل أحب ليبيا، وكان صديقاً لشعبها في مرحلة صعبة من تاريخنا.
فتحُ ملف مقتل السفير ستيفنز مجدداً قد يكون توظيفاً سياسياً وتفتيشاً في الدفاتر القديمة؛ لتصفية حسابات داخلية في أميركا. لكن في نهاية المطاف؛ القبض على الجناة تحت أي عنوان يحقق العدالة للضحايا، والإرهابيون وصناع الفوضى والجريمة لن يكونوا في مأمن دائماً، وعصا العدالة ستطولهم ولو بعد حين.