الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

 العرب اليوم -

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الأسئلة نسماتٌ تسري إلى حلقة الرأس، فهي النفس الذي يُزرع فيه بذورُ التفكير، والماء الذي يرويها. الأسئلة خطوات تتحرك في العقول من دون توقف. وإن كانت هي الشهيق، فالإجابات هي الزفير المجيب. ذلك هو ديالكتيك الحياة الذي يبدع، ويصنع استمرار الحياة وتجددها في حركة الزمن الذي لا يتوقف. العقل نخلة تثمر في كل الفصول، بل في جميع الأوقات، وعندما يهزّها التفكير تساقط رطباً جنياً. لكن زعازع الرياح لا تتوقف، وقد تتلوى وتتحرك من مختلف الاتجاهات، فيكون الساقط من النخلة قبل نضجه، حشيفاً يابساً لا نفع فيه. الرياح الزعازع التي تخنق العراجين، فتجهض التمر قبل موعد نضجه، لها عشرات بل مئات المحركات أحياناً. الخوف والتردد وعدم القدرة على مواجهة ما يشعله السؤال من حرارة في الرؤوس. لكل زمن بحوره وأنهاره وترابه، والناس فيه بين سابح في برزخ، وعابر في سبيل طويل. هناك مجتمعات كسرت حلقات القيود عن فاعلية عقلها، وعاشت في بساتين تزينها زهور السؤال، ومنحت حياتها شهيق التفكير، فأبدعت زفير النهوض والتقدم الدائم. أمم أخرى استمرأت الخوف من حرارة السؤال، فذاب في كيانها الجهل والجمود، وصارت الإعاقة العقلية لذةً للجاهلين، يبدعون منها ولها. صارت الرؤوس جحوراً لا شيء فيها، سوى تراب يزفُّ الغبار الخانق، والحواس صماء بكماء عمياء.

السؤال قبضة عقل تطرق الرأس، فيرنُّ ناقوس اليقظة، وتتحرك صحوة التفكير. يرسم الإنسان خريطة لها عيون، وفيها أضواء تخلق تكوينات ومفاهيم، يتحرك بهمّةٍ لإبداع إجابات تتوالد بلا توقف. من آلاف النواقيس التي تحرك العقول، تعم اليقظة وتنطلق النهضة في دنيا الحياة. كل اكتشاف أو اختراع حققه الإنسان، كان إجابة عن - لماذا؟ - هذه الكلمة الصغيرة كانت المصنع الإنساني الأسطوري، الذي رفع البشر من الحالة الحيوانية، إلى الدرجة الإنسانية التي قهرت الزمان والمكان. الخوف من ظلامية المجتمع، وقمع السلطة والخرافة والموروث الميت الرميم، هي الأقفال المزمنة التي تغلق أفواه الأسئلة وأبوابها، وتهشّم نواقيس اليقظة، وتحيل الصمت سباتاً مزمناً، يتلذذ بمتعة الجهل في غيبوبة الهروب من متعة السؤال.

الحالة البدائية تمنح الجاهلين الذين يعيشونها، إحساساً بالأمن في دنيا يفسرون كل ما فيها من الظواهر، بالخرافات والأساطير، ويكفون أنفسهم مشقة الدخول في معامع الأسئلة وما تفرضه من إجابات.

مسيرة الإنسانية الطويلة من الجهل نحو العلم، ومن التخلف نحو النهوض والتقدم، كلفت روادها الكثير. علماء أيقظتهم الأسئلة، وأعطوها أعمارهم من أجل الإجابة عنها، بل منهم من قدم حياته، وقُتل شنقاً أو حرقاً. الجواب مغامرة قاتلة، لكنه هو مفتاح كل أبواب الأزمنة الجديدة بإنسانها الجديد المتحضر.

هناك أهداف يتحرك الإنسان نحوها، مثل تسهيل حركة البشر بين الأمكنة، من وعثاء السفر على الأقدام، وعلى ظهور الحيوانات، إلى اختراع السيارة والقطار والطائرة. كل ذلك كان ومضات عقول تعلمت فتحررت وأبدعت. انتقلت البشرية في قفزة أسطورية، من الخضوع للظواهر الطبيعية العنيفة، وتفسيرها بخرافات غيبية، والاستسلام للأمراض كالطاعون والجدري والسل وغيرها، إلى الاعتكاف في المعامل والسهر في مراكز البحث، لتخليق الدواء. كل ما تعيشه البشرية اليوم من حضارة وازدهار، هو بفضل جبال الإجابات العلمية، عن أسئلة غمرت حقول العقول. الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية محلية كانت أو عالمية، هي أعراض لأمراض تعشعش في الكيانات البشرية المختلفة. الحروب بكل أنواعها والعنف والتطرف، والكساد الاقتصادي والانحرافات والجرائم، كلها أعراض لأمراض، في أجساد الكيانات الإنسانية. ولكل داء طبيبه ودواؤه. في سنة 1968 انطلقت في فرنسا ثورة شبابية، وتحركت إلى مدن أوروبية عدة. منذ بداية انطلاقها أيَّدها الفيلسوف الفرنسي جان بول ساتر بقوة، وكان موقفه المؤيد لثورة الشباب دافعاً لزيادة تأججها. اقترح قادة الأمن الفرنسي على الرئيس شارل ديغول، اعتقال سارتر لمنعه من التواصل مع الشباب الثائرين. ردَّ عليهم ديغول: تطلبون مني اعتقال فولتير زماننا؟ اذهبوا له واسألوه عن أسباب ما حدث وماذا يرى. اجتمع عشرات من السياسيين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وخبراء الاقتصاد، وناقشوا في اجتماعات طويلة أسباب وخلفيات ما حدث، وقدموا برامج تعليمية وإعلامية ورياضية، تجيب عن ما يعتمل في نفوس شباب جيل جديد، له أسئلته التي ما طافت في رؤوس آبائه وأجداده. الشباب يريد أن يعيش دنيا من إبداعه.

عندما شهدت سبعينات القرن الماضي، موجة عنف يسارية دموية في أوروبا. في فرنسا مجموعة العمل المباشر، وفي إيطاليا مجموعة الألوية الحمراء التي اغتالت السياسي الإيطالي الكبير الدو مورو، وفي ألمانيا مجموعة البادرماينهوف، اهتزت أوروبا. عُقدت اجتماعات موسعة في كل أنحاء أوروبا الغربية، من أجل البحث عن لماذا حدث ما حدث؟

في منطقتنا العليلة ساد العنف والتطرف، وهيمنت الفوضى والحروب الأهلية وغير الأهلية وتجذر الفساد، وصار الجهل عقيدةً تتفشى. الغائب الوحيد هو، لماذا؟

 

arabstoday

GMT 10:35 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 10:34 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 10:29 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 10:28 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 10:23 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

GMT 10:07 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أوتاوا ــ واشنطن... توسيع الهامش لا كسر القواعد

GMT 10:03 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

شذرات من نزار قباني

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار الهروب من السؤال مع سبق الإصرار



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 14:59 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
 العرب اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 العرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 18:02 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روسيا تبدأ سحب قواتها من قاعدة جوية قرب القامشلي

GMT 14:51 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

جدل واسع بعد انتشار صور نتنياهو يغطي كاميرا هاتفه بشريط لاصق

GMT 11:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الكرملين يرفض التعليق حول أنباء عن مفاوضات بشأن تسليم الأسد

GMT 19:38 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

بروكسل تعتمد حظرًا كاملًا على الغاز الروسي

GMT 20:25 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر العراق من إعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الذهب والفضة بالقرب من مستويات مرتفعة قياسية

GMT 08:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

غارة إسرائيلية تستهدف منزلاً في بلدة يارون اللبنانية

GMT 02:24 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ترامب يصعّد ضد سيول ويرفع الرسوم على سلع كوريا الجنوبية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab