مجنون أفريقيا الرهيب

مجنون أفريقيا الرهيب

مجنون أفريقيا الرهيب

 العرب اليوم -

مجنون أفريقيا الرهيب

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الإمبراطور الروماني نيرون أشعل النار في روما، وجلس في شرفة قصره يعزف على قيثارته، مستمتعاً باللهب والدخان الذي يغطي سماءها، والرماد الذي يدفن البشر والحجر. قتل أمه وزوجته ومدرسه الحكيم سينيكا. انتهى نيرون منتحراً بعدما ثار الجيش والشعب ضده. دخلت الإمبراطورية الرومانية بعده في سنوات من الفوضى والعنف. في أقل من سنة واحدة تنافس على الحكم أربعة أباطرة، كان الموت تاجهم النهائي.

الحكَّام المجانين لم يغيبوا عن الوجود عبر التاريخ. في عام 1968 أعلنت إسبانيا عزمها على إنهاء استعمارها لغينيا الاستوائية، وبدأ السباق الانتخابي لرئاسة الدولة الأفريقية الجديدة. كان من بين المتنافسين رجل اسمه فرنسيس ماسياس نغيما. برز شخصيةً قوية متحمسة قريبة من الناس. كانت خطاباته بلغة بسيطة، تلامس قلوب العامة وتحفّز تطلعاتهم للحرية والتقدم. فاز نغيما في الانتخابات الرئاسية بأغلبية كبيرة. بعد شهور قليلة من اعتلائه سدة الرئاسة، أزاحت رياح السلطة سريعاً الغبار عن حقيقة الشخص الذي اختاره الشعب المحتفل بفرحة الاستقلال، وبالرئيس الذي ينتظرون منه أن يحقق لهم ما وعد به من الحرية والتقدم.

نغيما كان مخلوقاً مشوهاً مسكوناً ببراكين عجيبة من التشوه والجنون الدموي المرعب. وُلد في قرية داي موكي بالمنطقة الساحلية من غينيا الاستوائية، في عائلة غارقة في الفقر المدقع، وتأثر بالمعتقدات الروحانية القبلية الموروثة. لم ينل حظاً من التعليم. عمل في مزارع البن والكاكاو في العهد الاستعماري. عانى مشاكل نفسية، ومال إلى الانطوائية والعزلة.

بمجرد توليه الحكم ألغى الأحزاب، واستهدف المعارضين والمثقفين ورجال الدين، الذين بادروا بمعارضة سياساته الفردية القمعية. شنّ حملة تصفيات واعتقالات واسعة، واتهم معارضيه بالعمالة للخارج، والتآمر على مصالح الأمة. شرع في تغيير القوانين لتناسب طموحاته الجنونية. أعلن نفسه رئيساً للبلاد مدى حياته. فرض على الشعب أن يناديه بألقاب أطلقها على نفسه، مثل المعجزة الفريدة والأستاذ الأكبر، على الرغم من أنه لم يحمل مؤهلاً علمياً. عدَّ كل المتعلمين والمثقفين أعداء شخصيين له، ومنع استخدام كلمة مثقف في كل البلاد وأغلق المكتبات، ومنع المواطنين من السفر إلى الخارج. فكك الأجهزة الأمنية التقليدية، واستبدل بها تنظيمات شبابية مسلحة تدين له بالولاء المطلق، وأطلق عليهم اسم «شباب المسيرة». كانوا يجوبون الشوارع وينهبون الممتلكات، ويطلقون النار على كل من يشتبهون في ولائه للزعيم. استهدف نغيما الكنيسة الكاثوليكية، التي كان لها نفوذ واسع في البلاد، وحوَّل الكنائس مخازن، وأجبر القساوسة على التبشير باسمه هو بدلاً من الدين. انهار الاقتصاد وفرَّ المستثمرون الأجانب، ويبست مزارع البن والكاكاو. شُنت حملة تنصت على كل فرد في البلاد، وكل معارض مكانه السجن ونهايته القتل. في ليلة عيد الميلاد عام 1969، أمر نغيما الجنود بجمع 150 من كبار الموظفين، المشكوك في ولائهم له، بالملعب الوطني الكبير، وتحت أضواء الكشافات القوية، وعلى أنغام أغاني البوب قام الجنود بإطلاق النار عشوائياً، على الضحايا المقيدين وسط الملعب. كان ذلك للرئيس نغيما طقساً احتفالياً مقدساً، استمر لساعات وأمر بأن مَن لم يمت بالرصاص يُدفَن حياً. في نوبات غضبه يأمر الرئيس المجنون بإزالة قرى كاملة من الوجود، إذا شك في ولاء نفر من سكانها له.

في أحد الأيام خطب في الشعب قائلاً، لقد جاءني هاتف من السماء، يبشرني بأنني الإله، وأنني أنا المعبود الأوحد، وأمر بتعليق صوره في كل مكان بالبلاد. يأمر بترتيب حفلات تعذيب، للعشرات من الناس وأحياناً المئات، ويجلس نغيما على كرسيه العالي رافعاً صولجان العظمة، يستمتع بصراخ المعذبين. صارت غينيا الاستوائية كلها حلبة للجوع والتعذيب والقتل. هرب الناس عبر الغابات إلى البلدان المجاورة، ومن بقي فيها ظلَّ ينتظر السجن والتعذيب والموت. قام بنقل كل ما في خزينة الدولة، من العملات الصعبة والذهب إلى قريته، ووضعها في خزائن تحت حراسة مشددة. طال القتل أقرب المقربين له من الوزراء وضباط الجيش وبعض أقربائه ورجال الدين. أصبح التعذيب والسجن والقتل عمله اليومي، أما شؤون الناس ومتطلبات حياتهم من غذاء ودواء وتعليم، فتلك أمور لا مكان لها في رأس الرئيس المعبود.

الرعب الرهيب هو الهواء الذي يتنفسه الناس، والموت يضع يده على رؤوس الجميع. ضاقت الحلقة على الجميع بمن فيهم أقرب الناس إليه. ابن أخته الذي يتولى قيادة قوة حراسة الرئيس، بدأ يتحسس رأسه، وأيقن أنه الطريدة القادمة، التي سيلتهمها خاله الرئيس المعبود، قاد انقلاباً ضده. هرب نغيما بصحبة قلة من الجنود المخلصين له إلى الغابة. لاحقتهم قوة من المنقلبين وتمكنوا من القبض عليه، وقُدّم للمحاكمة، وجرى إعدامه عام 1979 أمام حشد من الناس. ترك ذلك الشخص المجنون البلاد كومة من الأطلال، والناس فيها أشباح خشبية.

ما فعله ذلك المعتوه الرهيب في غينيا الاستوائية فاق كل ما فعله نيرون في روما، وبول بوت في كمبوديا، وعيدي أمين في أوغندا، وبوكاسا في أفريقيا الوسطى. مأساة غينيا الاستوائية لم يقرع جرسها ذاكرة الكثيرين، لكنها تبقى جرساً دامياً في ضمير البشرية.

arabstoday

GMT 06:54 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 06:51 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 06:49 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

أخطاءُ الكبارِ كبارُ

GMT 06:46 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 06:45 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

GMT 06:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

شبحٌ توارى أم أملٌ اغتالته الرصاصات؟

GMT 06:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

الإدمان الرقمى!

GMT 06:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

أبناء الزمن البايخ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مجنون أفريقيا الرهيب مجنون أفريقيا الرهيب



أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - العرب اليوم

GMT 07:35 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

الهلال السعودي يوضح موقفه من ضم محمد صلاح
 العرب اليوم - الهلال السعودي يوضح موقفه من ضم محمد صلاح

GMT 18:34 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

ترامب يؤكد اقترابه من إنهاء حرب السودان

GMT 03:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab