ربما يكون عنوان هذا المقال خادعا، وربما يرى البعض أن الصيغة الأصح لهذا السؤال هى: ماذا تريد إسرائيل من إيران، إلا إذا اعتبرنا أن أمريكا هى إسرائيل، ولا فرق بين الاثنين فعليا؟!
وظنى أن الاحتمال الأخير هو الأدق، فمن أفضل تعريفات إسرائيل أنها دولة أو كيان أوأداة وظيفية لأمريكا والغرب فى المنطقة، وهذا هو سر الدعم الغربى اللامحدود لإسرائيل منذ زرعها فى منطقتنا عام ١٩٤٨، وعلينا دائما أن نتذكر زلة لسان المستشار الألمانى، ميرتس، حينما قال قبل شهور إن «إسرائيل هى التى تقوم بالأعمال الأكثر قذارة نيابة عن الغرب، حينما سئل عن سر عدم إدانة ألمانيا للعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، واستمرار تدفق السلاح الألمانى إليها.
المطالب الأمريكية الرئيسية الثلاثة من إيران تكاد تكون تعجيزية لدرجة أن طهران علقت عليها بالقول إن ثمن الحرب سيكون أهون كثيرا من ثمن الاستجابة للشروط الأمريكية!
السؤال: ما هذه الشروط الثلاثة، وهل هى أمريكية أم إسرائيلية أم غربية، أم خليط من كل ذلك، بما يذكرنا بزمن الاستعمار الفج والمكشوف؟
الشرط الأول أن تتعهد إيران بوقف كل برنامجها النووى، خصوصا تخصيب اليورانيوم.
ونتذكر أن هذا شرط إسرائيلى رئيسى، ونتذكر أيضا أن إسرائيل شنت عدوانا عسكريا على إيران لمدة ١٢ يوما فى شهر يونية الماضى، انضمت إليه الولايات المتحدة فى اللحظات الأخيرة، وقصفت المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية الثلاث فى فوردو ونطانز وأصفهان.
والغريب أن الرئيس الأمريكى يطلب الآن من إيران ضرورة وقف برنامجها النووى، فى حين أنه يكرر منذ يونية الماضى أن تدخله العسكرى قد نجح فى تدميره بالكامل، خلافا لبعض التقديرات المخابراتية الأمريكية والإسرائيلية والغربية التى تعتقد أن إيران نقلت اليورانيوم المخصب من منشأة فوردو قبل العدوان الإسرائيلى بأيام، ومن يومها ظل موقفها غامضا بشأن مصير هذا اليورانيوم المخصب الذى يقال إنه كاف لصنع بضع قنابل نووية بدائية.
المطلب الثانى هو أن توقف إيران صناعة واستيراد وامتلاك الصواريخ طويلة المدى، أى التى يمكنها الوصول إلى إسرائيل، وهذا أيضا مطلب إسرائيلى أساسى.
ومن الواضح أنه وانطلاقا من الإصرار الأمريكى الإسرائيلى على هذا المطلب فإن هذه الصواريخ كان لها دور فعال فى حرب الـ ١٢ يوما، وربما تكون العامل الحاسم الذى جعل إسرائيل تطلب من ترامب أن يوقف الحرب.
لو أن إسرائيل وأمريكا كانتا تمتلكان إمكانية هزيمة إيران بالضربة القاضية أو حتى إسقاط النظام، فى يونية الماضى، فأغلب الظن أنهما كانتا لم يترددا فى ذلك،
موافقة إيران على هذا الطلب بوقف امتلاك الصواريخ بعيدة المدى يعنى قبولها أن تكون عارية ومكشوفة تماما أمام إسرائيل لتستبيح سيادتها فى كل وقت كما تفعل الآن مع سوريا ولبنان وفلسطين.
نعلم أن إسرائيل تمكنت من توجيه ضربة موجعة لمنظومات الدفاع الجوى الإيرانية، وأنها تمكنت من اغتيال كبار قادتها العسكريين وكبار علماء برنامجها النووى فى بداية عدوان يونية الماضى، لكن طهران لم تستسلم وقتها، وظلت تمتلك العديد من الأوراق.
المطلب الثالث هو ضرورة أن توقف إيران دعمها لما يسمى بـ«الأذرع الخارجية» والمقصود بها حزب الله اللبنانى والحوثيون فى اليمن والمقاومة فى فلسطين والميليشيات فى العراق.
وأظن أن هذا المطلب تحقق عمليا على أرض الواقع بنسبة كبيرة. فسقوط نظام بشار الأسد فى سوريا قطع الحبل السرى من طهران إلى بيروت، كما أن حزب الله نفسه تعرض لضربة شديدة باغتيال زعيمه التاريخى حسن نصر الله وكبار قادته، والأمر نفسه لحركة حماس فى قطاع غزة الذى صار عمليا تحت الوصاية الأمريكية الإسرائيلية.
وحتى التنظيمات العراقية الموالية لإيران تقلص تأثيرها ونشاطها كثيرا فى الشهور الأخيرة، إيران شديدة البراجماتية فيما يتعلق بمصالحها، ولو وجدت نفسها أمام حائط مسدود فلا يمكن استبعاد أن تضحى بأى شىء.
هى يمكنها المناورة بالقول إنها لن تستأنف التخصيب، وستقبل بعودة التفتيش الدولى، وقد تعلن أنها لن تدعم أى تنظيمات خارجية، لكن لا أظن أنها ستقبل بتقليص ونزع صواريخها بعيدة المدى، وألا ستكون قبلت فعليا بالهيمنة الإسرائيلية على كامل المنطقة، بما فيها إيران نفسها.