لو كنت مكان أى دولة عربية لأصبح شغلى الشاغل فى هذه الأيام وما يليها فهم ومعرفة ومتابعة التطورات المتسارعة عسكريا فى مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.
ومن الواضح أن الأسلحة التقليدية سيظل دورها موجودا ومؤثرا، لكن من المؤكد أن التكنولوجيا وتطبيقاتها المتسارعة سيكون لها العامل الحاسم فى المعارك، بل ربما تتمكن من حسم المعركة حتى قبل بدايتها.
يوم الجمعة الماضى، وقبل ساعات قليلة من بدء العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران صباح أمس السبت، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية وموقع روسيا اليوم تقريرا خبريا فى منتهى الأهمية، إذا صحت وقائعه، فإننا بصدد تطور جديد فى عالم التجسس والمخابرات والحروب.
حيث نشرت شركة «ميزر فيجن» الصينية صورا فضائية عالية الدقة تظهر تمركز ١١ مقاتلة أمريكية من طراز F-22 وبطارية صواريخ من طراز باتريوت فى قاعدة عوفدا الجوية فى إسرائيل.
وأظهرت الصور طريقة اصطفاف المقاتلات واتجاهات بطارية الصواريخ.
الصور الصينية أظهرت أيضا انتشار القوات الأمريكية فى اليونان و٣ دول عربية وكذلك جزيرة دييجو جارسيا.
نعرف أن الأقمار الاصطناعية تستطيع منذ سنوات رصد وتصوير وبث الكثير من مثل تلك الصور، ولكن وطبقا للعديد من المحللين العسكريين فإن الصور التى تبثها الشركة الصينية شديدة الدقة وتتجاوز مجرد نقل صور وإعلام الرأى العام بخبر صحفى عسكرى إلى لعب دور مهم للغاية فى الاستخبارات العسكرية.
بث هذه الصور قد يراه البعض رسالة ردع قوية إلى إيران بأن الحشد الأمريكى الموجود فى المنطقة ليس مجرد تهويش، بل استعداد كامل للحرب لأنه يضم أحدث أنواع الأسلحة الأمريكية، خصوصا المقاتلة الشبحية F35 التى تمنع أمريكا تصديرها لمعظم دول العالم باستثناء إسرائيل وبعض دول حلف الناتو.
قد تكون هذه هى الرسالة، لكن ما مصلحة الصين فى تقديم خدمة مجانية للولايات المتحدة ضد دولة صديقة وقريبة وربما حليفة مثل إيران؟
هنا نأتى للجانب الثانى من القصة وهو دور التكنولوجيا الصينية فى محاولة التشويش على الحشد الأمريكى ضد إيران.
فطبقا لتقارير صحفية فإن الكشف عن عدد المقاتلات ومواقع اصطفافها يخلق مشاكل عملياتية كثيرة أهمها أنه يقدم للخصم أو العدو تحديد حجم القوة المشاركة ورصد منظومات الدفاع الجوى وأماكن تمركزها، وكذلك تقدير مستوى الجاهزية والتموضع الدفاعى فى المواقع المختلفة.
تقديم الشركة الصينية صورا فى قاعدة عسكرية إسرائيلية وقواعد أمريكية فى دول مختلفة تبدأ من اليونان وتنتهى فى قطر، مرورا بقواعد عسكرية أمريكية فى المحيط الهندى، رسالة لكل من يهمه الأمر بأن التكنولوجيا الصينية قادرة على رصد كل القواعد والتحركات العسكرية وتقديم معلومات كاملة ومحدثة عنها أولا بأول.
الصور الصينية توضح أن التفوق الأمريكى والإسرائيلى التكنولوجى لم يعد مقصورا عليها، بل دخلت الصين كلاعب رئيسى فى الميدان، خصوصا كشف التحركات بدلا من إخفائها، وبالتالى فلم يعد الانتشار الأمريكى يملك ميزة التخفى أو «الضبابية العملياتية» على حد تعبير «روسيا اليوم».
كشف هذه الصور يقدم لإيران صورة واضحة عن حجم الانتشار العسكرى الأمريكى والإسرائيلى، وبالتالى فإن الردع الذى كانت تريده واشنطن من حشدها العسكرى قد ينقلب إلى ميزة إيرانية بأنها ترى كل التحركات الأمريكية.
الأقمار الصناعية كانت حكرا على الدول. الآن صارت هذه التكنولوجيا مملوكة لشركات خاصة، حتى لو كانت هذه الشركات قريبة من الدولة. وهو ما يعنى تقليص قدرة الجيوش النظامية على إخفاء المعلومات المهمة فإذا تمكن طرف من امتلاك معرفة تحركات الخصم أولا بأول، فذلك يعنى تجريده من عنصر المفاجأة.
النقطة الجوهرية هى: هل بهذا المنطق يمكن للصين أن تقدم لإيران معلومات استخبارية أخرى فى حربها مع أمريكا وإسرائيل، وإذا حدث ذلك فهل يؤثر على طبيعة المواجهة، وكذلك على العلاقات الأمريكية الصينية؟
الصين لن تخوض الحرب لصالح إيران وكذلك روسيا، لكن بإمكانهما دعم طهران بطرق كثيرة لأن مصالح البلدين العليا ما تزال مع أمريكا.