بقلم - أمينة خيري
المسؤولون يتكلمون اللغة العربية باللهجة المصرية، وكذلك نواب المجالس النيابية، وأيضًا الناس فى الشارع والبيوت وأماكن العمل والمواصلات العامة وفى الجلسات الخاصة وفى المقاهى. ورغم ذلك، يبدو أن كل فريق إما لا يفهم الفرق الأخرى، أو لا يهمه أن يفهمها، أو أن الكلمات لا يُنطَق بها بغرض التواصل، بل لملء فراغات، أو أن محتوى الكلام، وقبله الاقتناع بأهميته وقيمته، وقبل هذا وذاك الإيمان بأن الكلمة تصنع أو تكسر الثقة، تبنى أو تهدم الأوطان، فإن كانت «كلام والسلام» فإنها تضيف لبنة من لبنات الهدم، وإن كانت ناجمة عن إصغاء وفهم وتقدير، وفى الوقت نفسه عاكسة لعمل وفهم ومسؤولية واحترام لمن يسمع، فإنها خطوة على طريق البناء.
علماء اللغة واللسانيات، وأساتذة علم النفس والاجتماع، وخبراء الإدارة والتخطيط، والمستشارون السياسيون والاستراتيجيون وغيرهم.. يمكنهم أن يفيدونا فى أهمية الكلمات واللغة باعتبارها أدوات سياسية وأساسية للتواصل فى داخل المجتمعات. هى ليست وسيلة لتبادل الأفكار والتعبير عن المشاعر وتشكيل تصورات الواقع فقط، ولكن يفترض أنها تسد الفجوات بين الأفراد، وتبنى المجتمعات أو تهدمها، وتعزز السياسات ووسيلة لإدارة الضغوط.
وحين يأتى الطبيب لمريض يصرخ من شدة الألم، ولديه أعراض واضحة وصريحة لعلل عديدة، فيخبره بأنه «بيتدلع»، أو أن تعبيره عن الألم مبالغ فيه، أو أنه لا يدير مرضه بشكل جيد، أو أنه كطبيب أبدع فى الجراحة والعلاج وعلى المريض الآن أن يتعامل بشكل أو بآخر مع ألمه وأعراض مرضه، أو أن عليه أن ينظر إلى من حوله من مرضى فى العنبر ممن يصرخون بصوت أعلى، أو ممن يعانون قدرًا أكبر من الأمراض، ويشعر بالامتنان أنه فى حال أفضل، وحبذا لو وجه الشكر للطبيب بدلًا من صراخه المستفز المستمر.. فإن هذا يعنى أن الطبيب، مهما بلغ من حنكة جراحية وفطنة علاجية وسمعة أكاديمية، فى حاجة ماسة إلى تدريب وتأهيل. شطارته وحدها لا تكفى.
فى حالة هذا الطبيب، غالبًا ينتابه شعور بأن المريض جاحد أو سطحى أو طماع أو ساذج أو ناكر الجميل أو خليط من كل ما سبق. فى الوقت نفسه، يظل المريض متألمًا ومعانيًا، بالإضافة إلى تنامى شعوره بأن الطبيب «مش حاسس بيه» أو متعالٍ أو يتعامل معه باعتباره رقمًا، أو مجرد مريض شأنه شأن غيره من آلاف المرضى. لذلك، ينتابه شعور قوى بأن الطبيب فى وادٍ يختلف تمامًا عن واديه. وتتولد لديه قناعة بأن صوته غير مسموع للطبيب. هذا يؤدى إلى انعدام الثقة، وانخفاض روحه المعنوية وهو ما يعظم شعوره بالألم، ولو لأسباب نفسية. وهذا لا يمنع من أن يتظاهر بالامتنان والعرفان والمودة والثقة والشكر أمام الطبيب.
البعض من أطبائنا من المسؤولين والنواب يتحدث لغة غير تلك التى يتحدث بها الناس، والعكس صحيح. المفردات واحدة، واللهجة ذاتها، لكنهما لغتان مختلفتان تحتاجان ترجمة.