بقلم: أمينة خيري
نتقبل ونعتاد ونتعايش ونتواءم ونتأقلم مع تلال القمامة، وعشوائية الشارع، وأقبح الألفاظ والشتائم، وفوضى الميكرفونات والضوضاء والأصوات العالية التى تقتحم غرفة نومك وحمامك وسرير مرضك، ومع احتلال الأرصفة سواء للصلاة أو بدعوى إنه أمام محلى أو سكنى ما يعنى امتلاكى له، ومع سير الناس فى عرض الشارع، ومع الكثير من كل مظاهر القبح ومواطن الأذى وأشكال السوء، دون أن ينتفض غضبنا، أو ترتعد أوصالنا اعتراضاً ورفضاً.
سعة الصدر هذه، وهامش المرونة والليونة هذا، وغض الطرف عما لا ينبغى غض الطرف عنه هذا، ومساحات التسامح والقبول هذه تتبخر فى الهواء تماماً حين يتعلق الأمر بوجهات نظر مختلفة، أو آراء متعددة، أو مواقف غير متطابقة مع ما نعتقده أو نؤمن به.
ما الذى يجعل «خُلقنا» ضيقا لهذه الدرجة حين يتعلق الأمر بمناقشة رأى أدلى به رجل دين، سواء كان رجل دين «بحق وحقيقى»، أو تشكل فكره من رحم جماعات مثل «التكفير والهجرة» و«الإخوان المسلمين» و«الجهاد» والتيارات السلفية الكثيرة، ثم قرر أن ينصب نفسه مفتياً وداعياً ومجاهداً عبر السوشيال ميديا؟
وما الذى يجعل الدماء تغلى فى عروقنا حين يطرح أحدهم وجهة نظر تختلف عن تلك التى تم غرسها باعتبارها الحقيقة الواحدة التى لا ثانى لها فيما يختص بالنادى الأهلى، أو الزمالك، أو بيزنس الكرة، أو قواعد القبول فى اختبارات الناشئين؟
وما الذى يعمى عيوننا، ويغلق عقولنا، ويضع غشاوة على قلوبنا ما أن يخرج أحدهم برأى مختلف عما تم زرعه، وتثبيته من فكرة تم تسويقها على يد أحدهم، أى بشر مثلنا، ثم جرى ترقيتها وتصعيدها لتصبح «مقدسات»، وهى أبعد ما تكون عن ذلك؟
الغريب والعجيب والمريب أن هذه «المقدسات» المصنوعة من قبل بشر مثلنا لم تعد تقتصر على تفسيرات دينية بشرية، أو منظومات ثقافية أعيد إحياؤها من قبور التاريخ، وإلباسها جلباب الدين، واعتبار كل من لا يلتزم بها خارج عن الملة، بل امتد إلى كرة القدم، والآراء السياسية، والتحليلات الاقتصادية، والتفسيرات الاجتماعية، والملابس، والألوان، والدراما وغيرها من تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة.
لماذا أصبحنا نخاف لدرجة الرعب من أى رأى أو مظهر أو موقف يختلف عما تعتنقه الجماعة؟ ولماذا نسارع إلى حمل مطاوى التشهير، وسيوف الشتم والسب، وجنازير الوصم ما إن يطرح أحدهم فكرة مختلفة؟
يقول علم النفس إن الأشخاص أو الشعوب التى تعتبر اختلاف الرأى تحدياً لهويتها يتولد لديها خوف جماعى يعتقدون أنه وحدة صف ونقطة قوة، وهو أبعد ما يكون عن ذلك. بعض الشعوب تفسر الاختلاف بأنه تهديد، فتتفاعل الدماغ بالخوف بدلاً من الفضول، فتشيد قلاع الرفض، وتبدأ بالهجوم خوفاً من هذا المختلف. بعض العقول تفضل الإجابات البسيطة، هذا أبيض وذاك أسود، ترى الاختلاف وكأنه صراع بين الخير والشر، ما يجعلها ترى كل اختلاف باعتباره معركة، يجب خوضها وكسبها.. وللحديث بقية.