السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً

السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً؟

السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً؟

 العرب اليوم -

السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً

بقلم : جميل مطر

نعيش منذ سنوات فى عالم مرتبك فى تطلعاته وأساليبه، عالم على طريق الانحدار صادف فى طريق انحداره رئيسا جديدا للولايات المتحدة اختار تسليط التهديدات وسيلة عساه ينجح فى أن يستعيد بها بعض أو جل ممارسات الهيمنة التى درجت عليها أمريكا فى نهايات القرن الماضى فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتى وزوال نظام القطبين وانفراد أمريكا بالهيمنة. «أمريكا عندما كانت عظيمة».
اختار الرئيس ترامب فرض التعريفة الجمركية على دول لا تستجيب فورا لمطالبه، شخصية كانت أم لتحقيق أهداف سياسية، اختار أيضا التهديد بفرض الحصار الاقتصادى والاحتلال العسكرى والسعى لتغيير الأنظمة القائمة. جرب كذلك حملات التشويش وإغراق العلاقات الثنائية بتصريحات متناقضة عن قصد أو بطبيعتها المنبثقة عن شخصيته. لجأ أيضا إلى أسلوب سبق أن استخدمه برعونة وخداع على أوسع مجال بيبى نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وهو صُنع خرائط مزيفة تعكس الأطماع الشخصية والمتطرفة قوميا ودينيا، وعرضها على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، أما الرئيس ترامب فقد اختار مسارحه الشخصية فى البيت الأبيض ومؤتمراته الصحفية ساحة ومجالا لنشر خرائطه.
لم يفاجئنا الرئيس ترامب فى ولايته الثانية بالجوانب الخطيرة الكامنة فى شخصيته وفى طموحاته المادية وفى منظومة أخلاقه وسلوكياته السياسية. تعرفنا على بعضها خلال الولاية الأولى ولا أظن أن الحريصين فى العالم العربى على تحقيق أهداف شعوبهم فقدوا بخروجه من السلطة حليفا وصديقا، وعلى كل حال لم يتوانَ الرئيس فور هزيمته فى انتخابات تجديد رئاسته عن تجييش جماعة من الغوغاء سلطها على مبنى الكونجرس اصطدموا بالحرس وببعض النواب والشيوخ وبينهم نائب الرئيس باعتباره رئيسا لمجلس الشيوخ فى الوقت نفسه.
• • •
كثيرون بيننا من قيادات العمل السياسى والإعلامى فى دول عربية ودول نامية أخرى لم نتمنى له عودة للعمل السياسى، وبخاصة من كان منا يأمل فى دعم أمريكى لحقوق الشعب الفلسطينى أو دعم لحقوق الشعوب العربية بشكل عام؛ ولكنه عاد. عاد محمولا على أكتاف حركة شعبية أمريكية يحلم أعضاؤها باستعادة مكانة وقوة أمريكا كدولة عظيمة. شهور قليلة فى العام الأول لولاية الرئيس ترامب كانت كافية لتهتز الثقة المتبادلة، إن وجدت، فى نفوس غالبية المنتمين للحركة ولقطاعات واسعة فى الرأى العام الأمريكى.
اهتزت الثقة عندما وقع الصدام الأول بين أيديولوجية الحركة الموالية للرئيس وبين واقع تحالفاته السياسية الداخلية وعلاقاته الخارجية. حدث هذا عندما سقط اغتيالا أحد قادة شباب الحركة بينما هو يخطب فى جماهيرها منتقدا سياسة الانحياز الأمريكى لصالح دولة إسرائيل وتخصيص معونات ضخمة لحكومتها بينما تحرم الطبقة الفقيرة فى أمريكا من الإنفاق على تلبية احتياجاتها المشروعة. انتشرت بسرعة تسريبات تتهم جهاز المخابرات الإسرائيلى بارتكاب جريمة الاغتيال بينما تولت الحكومة التعتيم على القضية رغم الشعبية الهائلة التى كان يتمتع بها الشاب القتيل ريتشارد كيرك.
لم يكن الاغتيال، على خطورة تداعياته على شعبية الرئيس واستقرار نظامه نهاية أحزان ترامب ومريديه. رصدت من جانبى بعض السلبيات التى بدأت تتراكم لتؤثر بدورها فى صنع تطورات لم تكن فى الخاطر وأهمها ابتكار فكرة تأسيس مجلس للسلام فى الشرق الأوسط يتحول عشوائيًا، أقصد بدون خطة موضوعة سلفا، إلى جماعة دولية يشرعها مجلس الأمن الدولى بقرار أصدره فى نوفمبر من العام الذى انتهى قبل أقل من شهر. أتصور، وهو مجرد تصور لم يجد الوقت الكافى ليتحول إلى نتيجة محققة، أنه بدون هذه السلبيات التى أحاطت بنظام وعقل الرئيس ترامب لربما ما ابتكر ولا تجسدت فكرة تأسيس مجلس للسلام.
• • •
أما السلبيات، وأؤكد حسب تصورى، أنها تقف مجتمعة ومتكاملة ومغذية الواحدة منها البقية، القوى منها والأقوى، وصولا إلى ابتكار عديد الأفكار الصارخة فى تناقضها، والمسئولة عن عشرات القرارات والبيانات والتسريبات التى تسببت جملة فى صنع مزيج خطير من السياسات الخارجية المغامرة فى آثارها وعواقبها.
تأتى فى بداية السلبيات ما تسرب إلى عقل الرئيس والمقربين إليه من قيادات الحزب الجمهورى عن توقعات لا تبشر بالخير عن النتائج المحتملة للانتخابات التكميلية فى مجلسى الشيوخ والنواب والمقرر إجراؤها فى نوفمبر القادم. يرتبط هذا الشك بالانقسام الذى وقع داخل صفوف حركة «ماجا، أى الحركة من أجل استعادة أمريكا عظيمة من جديد»، فى أعقاب اغتيال الشاب كيرك وإصرار الرئيس ترامب على مواصلة نهج دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا، وفى الوقت نفسه ازداد الضغط الصهيونى والإسرائيلى على حكومة الرئيس ترامب سعيا وراء تحييد الرأى العام الأمريكى إزاء الإدانات الشعبية المتكررة على كل الأصعدة لاستخدام إسرائيل الإبادة والقمع العنيف لشعب غزة.
من السلبيات أيضا استمرار تدهور أوضاع الشعب الفلسطينى وعجز الرئيس ترامب عن وقف أعمال الإبادة أو تحريك عملية السلام بالضغط، وهو ممكن، على إسرائيل، وعلى نتنياهو تحديدا. بمعنى آخر عجز الرئيس ترامب عن التحرر من الضغوط الصهيونية التى وصلت إلى حد تهديد الحزب الجمهورى بعدم المشاركة فى تمويل مرشحيه إذا لم يلتزموا بالاستمرار فى دعم سياسات إسرائيل، الأمر الذى أضاف إلى مخاوف الرئيس من الفشل فى تحقيق الأغلبية المطلوبة لحزبه فى نوفمبر القادم.
تصادف أن الرئيس كان قد زج بقوات فيدرالية فى عمليات مطاردة المهاجرين غير الشرعيين واعتقالهم وطردهم من البلاد. أدى مصرع سيدة برصاص القوات إلى مظاهرات عنيفة وغضب عارم فى مدينة مينيابوليس ومدن أخرى عديدة، وهو الغضب الذى أضاف إلى ضعف الثقة فى داخل صفوف الحزب الجمهورى والرأى العام.
أضف إلى ما سبق الحالة الذهنية للرئيس وبخاصة ما تتسبب فيه أمراض الشيخوخة من آثار مباشرة على علاقة الجماهير بقياداتها السياسية، هنا أظن أن الأزمة التى وقعت مؤخرا داخل مجموعة من شيوخ الحزب الجمهورى تعود فى بعض جوانبها لشكوك تتراكم عن صحة الرئيس ترامب وسلامة القرارات التى يتخذها. فى الوقت ذاته لا يمكن إنكار الأثر على ثقة الشخص نفسه فى نفسه خاصة وأنه متخذ القرارات التى تمس أطماعه وطموحاته المادية والعائلية. هنا لا أستطيع إهمال أو إنكار حقيقة الدور الذى يلعبه السيد كوشنر زوج إيفانكا ترامب الملقب بين بعض المفاوضين بأمير غزة تفهما لحجم أحلامه ومتانة خطته فى شأن مستقبل غزة السياحى والترفيهي، ولعلها الخطة الوحيدة المتقنة فى مزيج التخبط والجشع الملازم لجماعة المطورين المحيطة بالرئيس ترامب.
• • •
تلك كانت الخلفية التى ساهمت فى تأسيس مجلس السلام، المجلس المكلف ضمنا بإنقاذ إسرائيل من نفسها، وتمهيد الظروف القانونية والسياسية الضرورية لتولى كوشنر إمارة غزة، المجلس الذى يحى بكل ثقة وأمانة مكانة شركة الهند الشرقية، الشركة التى أنجبت وأسست للاستعمار مقارنة بالمجلس الذى يؤسس صراحة لاستعمار جديد، المجلس الذى ابتدع فكرة خصخصة أمن دول الشرق الأوسط وبخاصة أمن الدول المشاركة فى عضوية المجلس حين حدد الرئيس منفردا مبلغ ألف بليون دولار مساهمة العضو المشارك، وهو المجلس الذى قرر لنفسه رئيسا بالاسم ولمدى الحياة ولا يخلفه أحد ووضع له مذكرة تعلو بمكانتها فوق جميع الدساتير وفوق ميثاق الأمم المتحدة ومختلف المواثيق السائدة. وهو قبل هذا وذاك مجلس السلام الذى يسمح لرئيسه بشن الحرب على أى دولة واحتلال أراضيها واعتقال رئيسها ومحاكمته، وهو المجلس المرخص له من رئيسه أن يحل محل الأمم المتحدة فى كل ما يراه يخدم هدف السلام كما يراه الرئيس ترامب، أى يصير من مهامه مثلا تحرير نتنياهو وأعوانه من إدانة محكمة العدل، وإعلان ضم الضفة إلى إسرائيل أسوة بالجولان والقدس، وإعلان تأسيس إمارة كوشنر– ترامب للترفيه والسياحة على أراضى قطاع غزة.
مجلس السلام تجديد فى فقه الدساتير والمؤسسات الأممية وتطوير هام فى نظرية العلاقات الدولية القائمة على أولوية مبدأ القوة، هو تطوير أيضا فى عمليات صنع السلام. يبقى الفضل فى الابتكار والتأسيس والاستمرار معزوًا للرئيس ترامب ولبعض أعوانه ومريديه فى دول العالم النامى.

arabstoday

GMT 04:40 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

من اغتيال الحريري إلى اسناد طهران: السلاح أداة للهيمنة؟

GMT 04:39 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

بين أميركا وإيران… الأمور تبدو مختلفة!

GMT 04:37 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

غزة لم تعد صالحة للحياة !

GMT 04:35 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

شرق المساكين

GMT 04:34 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

آن للعالم أن يخرج من كذبة يعيش فيها!

GMT 04:33 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

حين تحرّكت عقارب القيامة!

GMT 04:32 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

السودان... الهدنة الهشة لا تعني السلام!

GMT 04:30 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

رحلة العملاق!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً السلام مشوشًا أم مؤجلًا أم خدعةً



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 11:17 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد
 العرب اليوم - ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

تصريحات ترامب تدفع أسعار الذهب للارتفاع

GMT 15:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

البابا ليو يدعو لإنهاء معاداة السامية حول العالم

GMT 14:59 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 12:02 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

بوتين يجري محادثات مهمة مع رئيس الإمارات في موسكو غدا الخميس

GMT 23:49 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

مصرع أربعة أشخاص إثر عاصفة عنيفة في البرتغال

GMT 22:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

رئيس الفيفا السابق يدعو لمقاطعة مونديال 2026

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

محمد إمام يكشف عن سعادته بحفر اسم مسلسله على شواطئ غزة

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نيللي كريم تكشف كواليس تعاونها مع شريف سلامة للمرة الثالثة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab