الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

 العرب اليوم -

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

بقلم : د. آمال موسى

من الجيد الاهتمام المتواصل بكل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد العالمي والاقتصادات الوطنية والنبش عن حال كل الموارد ذات الملاذ الآمن والتساؤل عن المؤشرات وحركة الصرف وأسعار الطاقة وكل ما يمت للاقتصاد بصلة. ذلك أن هذا الاهتمام سلوك جاد جداً ويعكس أولية المقاربة الواقعية والوعي بأن الاقتصاد هو قوام الحياة وما يسميه العلامة ابن خلدون المعاش.

ولكن ما نلاحظه هو أن هذا الاهتمام مغلق ومنطوٍ داخل الدائرة الاقتصادية الواسعة وينسى - أي هذا الاهتمام - أن كل ما هو اقتصادي إنما هو جزء أساسي وفاعل ومؤثر في الظواهر الاجتماعية. بل إن الاقتصاد هذا العملاق المتحكم في معاشنا وحياتنا وطموحاتنا وحتى أحلامنا ننسى أنه يُلقي كل ما فيه من عجز على كاهل أهم مؤسسة اجتماعية؛ وهي مؤسسة الأسرة، أكثر مؤسسات التنشئة الاجتماعية عراقة وأكبرها دوراً بعدّها المعلم والوعاء الثقافي الأول، وهي الحافظة للأجيال ومن دونها لا وجود لمجتمع ولا وجود لشعب، ومن ثم لا وجود حتى للدول وذلك من منطلق أن الشعب أو المجتمع هو مقوم رئيسي من مقومات وجود الدولة أصلاً.

إذن كل شيء يصب في الأسرة ونحن لا ننتبه دوماً إلى ذلك. نخص بالسؤال الأسرة العربية، حيث إن هذه المؤسسة تحظى بمنزلة ومخيال خاصين جداً في النسق الثقافي العربي، الأمر الذي يجعلنا نقلق أكثر على تداعيات العواصف التي كلّما عصفت بالاقتصاد فإنها لا محالة ستفعل بما يوازي ذلك وأكثر في المجتمع، أي على الأسرة الخلية الحيّة فيه. وللعلم فإن التقديرات تشير إلى أنه بحلول هذا الشهر الحالي فإن عدد الأسر في الفضاء العربي بات يتراوح ما بين 90 إلى 100 مليون أسرة.

هناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها ومواجهاتها؛ وهي أن كل المشكلات الاقتصادية ذات تكلفة اجتماعية باهظة على الجميع ثم تُترجم هذه التكلفة إلى متطلبات اقتصادية من أجل المعالجة والتدارك. ولعل الشرارة الأولى التي يمكن التقاطها وملاحظتها من طرف العارفين بالاقتصاد وحتى الجاهلين به تتمثل في المقدرة الشرائية للأسر. فهي المحدد للفهم والتفسير. وتشير الدراسات الأممية اليوم إلى تراجع المقدرة الشرائية بشكل وُصف بالحاد إلى درجة أن هناك بلداناً عربية اليوم تراجعت فيها هذه المقدرة إلى الربع بسبب ظواهر التضخم المالي وارتفاع الأسعار وتراجع الاستثمار ومن ثم النمو الاقتصادي.

المشكلة أن الأمر لا يتوقف عند تراجع المقدرة الشرائية، بل إن المشكلة الكبرى تكمن في أن المقدرة على التكيف مع التغييرات الاقتصادية باتت ضعيفة، الأمر الذي يجعل الأسرة بمثابة الجندي الأعزل الذي يحاول عدم الاستسلام وأن يتميز بالبسالة لأن الأسرة ذات المقدرة الاقتصادية غير المستقرة والمتراجعة والضعيفة مهددة بالفقر والطلاق وانحراف الأطفال والانقطاع عن الدراسة، وكل هذه التهديدات باهظة جداً على كل المستويات.

فليس مصادفة أن تتوازى الأزمات الاقتصادية والهزات التي تسببت فيها جائحة الكورونا، وصولاً إلى التوترات والصراعات في العالم وتداعياتها مع ارتفاع قياسي في حالات الطلاق في بلداننا، حيث بلغت حالياً 2.5 حالة لكل ألف شخص أي بمعدل 250 حالة طلاق يومياً في كل دولة من دولنا. وهذه الإحصاءات طبعاً لا تشمل إلا الطلاق الموثق قانونياً بأحكام قضائية ولا تعير اهتماماً لظاهرة الطلاق الرمادي أو الصامت التي لو وضعناها في الاعتبار لقفزت الأرقام قفزة صادمة. والعامل الاقتصادي هو المتهم، رقم واحد، في الارتفاع القياسي للطلاق بجميع أشكاله.

لن نخرج عن دائرة التفسير الاقتصادي للظواهر الاجتماعية التي أصبحت تنهش اليوم في بنية الأسرة، حيث إن التفكك الأسري هو نتاج ما تعرضنا له بخصوص تراجع المقدرة الشرائية التي بدورها تزيد من نسب الفقر والبطالة، وهذان شبحان خطيران على الأسرة من منطلق أنهما يقوضان البعد الاقتصادي لمؤسسة الأسرة. ذلك أن الأسرة المهزوزة الاقتصاد مهددة بالتفكك أولاً وبانعدام جودة التعايش وخمول علاقاتها الاجتماعية ثانياً.

ليست مقاربة سوداوية ما وصلنا إليه، فاليوم ثلث سكان المنطقة العربية تحت خط الفقر والمعدل العام للبطالة 11.4 في المائة، وهي أرقام تفسر اليوم لا فقط ظواهر الطلاق والتفكك والعنف الأسري والزواجي، بل أيضاً تعد مبرراً قوياً حتى نفهم ظاهرة العزوف عن الزواج وتراجع عدد عقود الزواج المبرمجة في السنوات الأخيرة في أكثر من بلد عربي.

بيت القصيد ما يلي: إن أي جائحة أو صراع أو حرب أو أزمة مالية أو تأزم اقتصادي كلها تضرب الأسرة بعمق وضرباتها صعبة المعالجة والتكلفة لا تدفعها الأسرة فقط، بل الجميع وطنياً ودوليّاً.

لذلك؛ فإن رأس المال البشري المحفوف اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالمخاطر العالية التداعيات، نحسنُ مقاربته والذود عنه عندما نراه بعين الأسرة، التي من دونها لا شيء ينظّم البشر والجغرافيا والمستقبل وكوكب الأرض.

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل الأسرة والمخاطر والجندي الباسل



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 15:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا
 العرب اليوم - احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات

GMT 03:35 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيلون ماسك يثير الجدل بحيلة طبية لتخفيف حرقة المعدة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab