مهن المستقبل ودعاية التضليل

مهن المستقبل ودعاية التضليل

مهن المستقبل ودعاية التضليل

 العرب اليوم -

مهن المستقبل ودعاية التضليل

بقلم:د. آمال موسى

لا شك في أن عالم المهن متحرك، ويتميز بالتكيف مع التغييرات الحاصلة في الحاجات وطرائق تلبيتها: تدخل مهن على الخط، وتتراجع أخرى، وتطرأ تطورات على مهن وتأخذ صورة جديدة من دون أن يتغير جوهر المهنة ذاته.

نتذكر جيداً أن أهم حدث عرفه عالم المهن كان مع عصر المكننة وبداية التراجع النسبي عن الاعتماد على اليد العاملة. وهو حدث بقدر ما شكل صدمة لليد العاملة، فإنه نقل الاقتصاد اليدوي إلى أفق تجاري واسع ووفرة الإنتاجية. وإلى اليوم ما زالت المجتمعات تنعى من حين إلى آخر صناعة من الصناعات اليدوية التي تقطع بمرور الوقت خطوة إضافية نحو الاندثار، مع العلم بأن بعض البلدان المتفطنة للبعد الثقافي النفيس لمهن اليد نجحت في تطويرها وربطها بمجال السياحة، مع إضفاء لمسة عصرية على بعض المنتجات.

إذن صحيح أن عالم المهن ليس ثابتاً، وهو بذلك يتبع النظام العام للحياة وسيرورة المجتمعات ويتطور بتطورها، وهناك من المهن من فَرْط تغيرها نحو الأفضل والأسرع والأكثر إتقاناً، خيّلَ لنا أننا أمام مهنة أخرى مغايرة تماماً. من دون أن ننسى نقطة مهمة، وهي أن اندثار بعض المهن لا يتم سريعاً ويستغرق زمناً طويلاً وهو أمر مفهوم جداً لأن المهن تدخل في الرأسمال الثقافي للمجتمعات والإنسانية بشكل عام، وكل ما يمت بصلة للثقافة فإنه لا يتغير بسهولة ولا يندثر سريعاً، بل إنه يقاوم ويقاوم من أجل البقاء أكثر، ودائماً هناك مَن يدافع عن هذه المهن المهددة، تماماً كما ندافع عن التراث والتاريخ والآثار...

ولكن رغم هذه الدينامية الواضحة وشبه الدائمة، فإن غالبية المهن ظلَّت وربحت معركة البقاء، وإن تغيرت التسميات والشكل والخدمات، ذلك أن المهن تلبي حاجيات الإنسان، التي هي تقريباً نفسها، والتحدي يكمن في تطوير طرائق التلبية من جهة، ورفع هامش الربح من جهة ثانية. لذلك فإن العامل الأكثر حسماً في تقرير مصير أي مهنة هو مدى قدرتها على إشباع توقعات العاملين فيها المادية، ناهيك من ضرورة ارتباطها العضوي بالحاجيات ونظام الحياة اليومية والمناسباتية والعادات والتقاليد التي تطيل عمر المهن، وتجعلها حاضرة في الاقتصادات الاجتماعية.

فنحن نحتاج دائماً إلى منظف البلدية وإلى الخباز وإلى الطبيب والمعلم والنجار وكل المهن، من دون إخضاعها لأي ترتيب تفاضلي، لأن كل المهن متساوية إذا ما كانت تلبي حاجاتنا الحيوية والحياتية. ومن التهور الذهني الاعتقاد أن اختراع آلة لإعداد الخبز سيؤدي مع الوقت إلى إغلاق كل محلات إعداد وبيع الخبز واندثار هذه المهنة العريقة. فما نراه حقاً أن هذه المهنة مثلاً تحاول أن تكون عصرية أكثر وتنخرط في الاستهلاكية، من خلال تنويع المنتجات والتأقلم مع خيارات الزبائن والتفاعل مع الخصوصيات الصحية لبعضهم، وهذا نوع من التكيف التجاري الذكي.

بل إنه حتى المهن المهددة أكثر من غيرها بالانقراض، فهي لم تندثر رغم أن خبر الاندثار انتشر منذ عقود طويلة جداً، وأصبحت مشغولات اليد باهظة وخاصة وزبائنها خاصة الخاصة، أي أنها للأغنياء المهتمين بالنادر والأصلي.

اليوم نلاحظ وجود تسونامي من الدعايات التضليلية التي تسوق معلومات حول المهن التي تصفها بمهن المستقبل، وهي وظائف قائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني. والغريب أن هذا الخطاب ينتشر في صفوف الشباب الطلَبَة بقوة وله تأثير الحقنة المخدرة للعقول؛ حيث إن الاتجاه العام للطلبة يميل اليوم إلى اختيار هذه التخصصات الجامعية من دون سواها، ومن لا يختارها نعده لا مستقبل وظيفياً له.

تصوروا أن عالم المهن أصبح ضيقاً إلى هذا الحد، وأن القوة الرقمية ستضغط على الزر السحري فتندثر كل المهن التي نعرفها، وتظل المهن التي يبشر بها أصحاب دعايات تضلل الشباب وتبالغ أكثر مما يجب، وهي تفعل ذلك من منطلق إدراكها لمدى تأثيرها على شباب يبحثون عن علاقة تفاعلية بين الدراسة الجامعية وسوق الشغل.

طبعاً من المهم الانتباه إلى ظهور مهن جديدة والتمكن منها، باعتبارها أضحت أمراً واقعاً في نظام المهن العام، ولكنّ هناك فرقاً شاسعاً بين الانتباه وتوخي خطاب دعائي يُضخّم من مهن لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد ويلغي تماماً كل المهن القائمة. فهل يمكن لمليارات من البشر أن يشتغلوا كلهم في عشر وظائف؟

نحن نعتقد أن أخطر ما في الموضوع كله هو أن تضمحل اختصاصات جامعية أصبحت بفعل هذا الخطاب الدعائي لمهن المستقبل تعاني من العزوف عنها والتقليل من شأنها وحتى التنمر على من يختارها، وربما نجد أنفسنا بعد سنوات مضطرين إلى إلغاء أقسام اللغات والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والآداب وعلم الاجتماع والنفس والفنون. فمن سيدرّس أطفال المستقبل ومن سيحلل لنا الظواهر ويحدد لنا الأسباب والمحركات ومن سيقرأ لنا التاريخ؟

أخشى أن تكون الإجابة لدى المبشرين بالمهن المطلوبة في المستقبل: «الذكاء الاصطناعي سيقوم بكل شيء». وهذا رهان شديد الخطورة على الإنسان ووظيفته في الأرض.

 

arabstoday

GMT 12:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

قصَّر في الأعمار طول السهر

GMT 11:25 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

حتى لا يكونَ العراق جمهوريةَ موزٍ إيرانية

GMT 11:23 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

استعادة الكلام في الدين والعلمانية والسلام

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:16 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 03:10 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق والاستقلال المنقوص

GMT 03:09 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مهن المستقبل ودعاية التضليل مهن المستقبل ودعاية التضليل



نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ العرب اليوم

GMT 17:56 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران
 العرب اليوم - ترامب يقول إن واشنطن لا تعرف مع من تتفاوض في إيران

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية
 العرب اليوم - علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 15:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا
 العرب اليوم - احتجاجات طلابية واسعة تعطل الدراسة في 560 مدرسة بفرنسا

GMT 06:35 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البيرو تسجيل 700 هزة أرضية منذ بداية سنة 2026

GMT 11:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

مأزق التكنولوجيا الجامحة

GMT 08:03 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

غارات جوية روسية تستهدف جسرًا في العاصمة الأوكرانية كييف

GMT 05:47 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

إنفانتينو يخسر دعم بلده سويسرا في حملته لرئاسة الفيفا

GMT 15:00 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بزشكيان يؤكد استعداد إيران للحوار مع واشنطن رغم الخلافات

GMT 03:35 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيلون ماسك يثير الجدل بحيلة طبية لتخفيف حرقة المعدة

GMT 11:19 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 11:08 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

علي الحجار يكشف سبب غيابه عن مهرجان الموسيقى العربية

GMT 18:11 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

العصابات المسلحة تختطف وتهاجم في غزة وسط قصف إسرائيلي

GMT 06:05 2026 الأربعاء ,30 أيلول / سبتمبر

جددي ديكور منزلك بالمرايا في خريف 2026
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab