عدو الآثار5

عدو الآثار(5)

عدو الآثار(5)

 العرب اليوم -

عدو الآثار5

بقلم: دكتور زاهي حواس

إن السرقة والنهب والتنقيب غير المشروع يعد من أخطر أعداء الآثار. أذكر عندما قام طلبة جامعة أكسفورد باستضافتى لمناظرة يدور موضوعها حول إجابة سؤال واحد: هل يجب أن تعود الآثار المصرية المنهوبة والموجودة فى المتاحف الأوروبية إلى مصر أم لا؟! وبالطبع كان طرف المناظرة الأول مدير أحد المتاحف الأوروبية ورئيس مؤسسة كبرى، مؤيداً لبقاء تلك الآثار فى متاحف أوروبا، بدعوى أنه ليس لدينا متاحف على مستوى عالٍ! وأنه إذا قامت ثورة فى بلادنا، فسيتم تدمير الآثار أو نهبها، أو يتم ترميمها بطريقة خاطئة! ولذلك فإنه يرى أن الآثار أكثر أمناً داخل المتاحف العالمية..

أما ممثل الطرف الثانى فى المناظرة فهو كاتب هذه السطور. وقد أكدت أن متاحفنا لا تقل عن المتاحف الموجودة فى أوروبا وأمريكا، بل إن لدينا متاحف جديدة على أعلى مستوى، مثل المتحف المصرى الكبير، والمتحف القومى للحضارة المصرية، ومتاحف قومية فى مختلف المحافظات تحفظ آثار مصر وتعرضها بصورة حضارية وعلمية.

وقلت أيضًا إن المتاحف العالمية لا يمكن أن تبرر احتفاظها بالآثار المسروقة، بحجة أن الدول الأصلية لا تستطيع حمايتها.. فهذا لا يبرر السرقة، لذلك نطالب بأن تكف المتاحف العالمية عن شراء الآثار المسروقة أو عرضها، وأن تعيد ما لديها من آثار منهوبة إلى بلادها.

إن السرقة تبدأ غالبًا عندما يعرف اللصوص أن هناك متحفًا أو جامعًا للأنتيكات أو تاجرًا يريد قطعة أثرية. وهناك بعض المتاحف أو التجار الذين يطلبون لوحات أو قطعًا من مقابر محددة، وعندما يعرف اللص مكان هذه اللوحة، يقوم بتدمير الجدار أو المقبرة كلها من أجل الحصول عليها. ولذلك فإن سرقة الآثار لا تعنى سرقة قطعة واحدة فقط، بل تعنى تدمير موقع أثرى كامل، وتدمير السياق التاريخى والعلمى الذى كانت توجد فيه هذه القطعة.

ومن أشهر قضايا سرقة الآثار المصرية ما يعرف بسرقة الآثار الكبرى، وهى من أكبر عمليات السطو التى حدثت على الآثار المصرية. وقد شارك فيها عدد كبير من اللصوص والمهربين والسماسرة الأجانب. وتم كشف السرقة عندما ذهب أحد اللصوص إلى المتحف البريطانى ومعه بردية، وطلب معرفة معلومات عنها. وعندما قام أحد الخبراء بفحص البردية، وجد أن بها جزءًا من نص أثرى مهم، فأبلغ الشرطة الإنجليزية. وبعد ذلك تم ضبط عدد من أفراد العصابة فى لندن وسويسرا وأماكن أخرى، واتضح أنهم سرقوا آثارًا من سقارة وغيرها، وقاموا بتهريبها خارج البلاد. ومع ذلك، ما زال أحد أفراد هذه العصابة لم يتم القبض عليه حتى الآن.

ولذلك فإن عملية سرقة الآثار لا تقتصر على سرقة تمثال أو لوحة، بل قد تصل إلى سرقة مقبرة كاملة أو تدميرها. وقد عانت مصر من عمليات التنقيب العشوائى بعد عام 2011، عندما حدثت حالة من الانفلات الأمنى، وبدأ بعض اللصوص فى الحفر داخل المواقع الأثرية، ظنًا منهم أنهم سوف يجدون كنوزًا أو ذهبًا. وانتشرت هذه الظاهرة فى أماكن كثيرة، خاصة فى المناطق الصحراوية أو القريبة من المواقع الأثرية المفتوحة.

وعندما تتم سرقة قطعة أثرية وتعود بعد ذلك مرة أخرى، فإنها تكون قد فقدت سياقها الأثرى. فالقيمة العلمية للقطعة لا تأتى من شكلها فقط، بل من المكان الذى عثر عليها فيه، ومن الطبقة الأثرية التى كانت داخلها، ومن علاقتها بالقطع الأخرى الموجودة معها. ولذلك فإن التنقيب العشوائى لا يدمر الأثر فقط، بل يدمر المعلومات التاريخية التى يمكن أن تقدمها لنا الحفائر العلمية. فالموقع الأثرى يتكون غالبًا من طبقات متعددة، وكل طبقة تمثل عصرًا أو مرحلة تاريخية، ومن خلال دراسة هذه الطبقات نستطيع معرفة تاريخ الموقع وتطوره. أما الحفر العشوائى، فإنه يخلط هذه الطبقات ويدمرها، فيضيع التاريخ بالكامل.

وفى كثير من الأحيان يستخدم اللصوص أدوات حادة أو آلات ثقيلة، فيكسرون الآثار أو يشوهونها. وقد يتم تقطيع النقوش أو اللوحات من الجدران، كما لو كانت مجرد أحجار للبيع. وبالتالى ينفصل الأثر عن مكانه ويفقد جزءًا كبيرًا من قيمته العلمية والتاريخية.

والسرقة لا تحدث فقط فى الدول التى تمتلك آثارًا، بل تحدث أيضًا فى المتاحف العالمية نفسها. فقد رأينا حوادث سرقة داخل متاحف كبرى فى أوروبا وأمريكا. وأذكر أننى عندما زرت متحف بوسطن، شاهدت المكان الذى سرقت منه إحدى اللوحات النادرة، كما تمت سرقة آلاف القطع من المتحف البريطانى، وكذلك سرقات فى متحف اللوفر، حيث قام لصوص بسرقة قطع نادرة فى وضح النهار. والسرقة لا تعنى فقط اختفاء الأثر، بل تعنى أيضًا تدمير الموقع الذى خرج منه الأثر. وقد كانت هناك فترات عانت فيها مصر من سرقة بعض المشكاوات، والأطباق النجمية وحتى الحشوات المطعمة الإسلامية النادرة. وتزداد هذه المشكلة فى أوقات الاضطرابات أو الثورات أو غياب الأمن، حيث تصبح المواقع الأثرية المفتوحة أكثر عرضة للنهب.

ومن المؤسف أن سرقة الآثار أصبحت تجارة عالمية تدر أموالًا طائلة على اللصوص والمهربين. وقد كان بعض المهربين فى الماضى يخفون الآثار داخل الصناديق أو الأثاث أو حتى داخل شحنات البضائع العادية، ثم يرسلونها إلى الخارج ليتم بيعها فى المزادات أو للجامعين. أما اليوم، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعى فى ظهور أسواق سرية جديدة، حيث يتم عرض بعض القطع أو الترويج لها بطرق غير مباشرة، مما يجعل مواجهة هذه التجارة أكثر صعوبة.

ولهذا يجب أن نعترف بأن أخطر ما يحدث حتى الآن هو أن القوانين الدولية لا تزال غير كافية. فهناك اتفاقية اليونسكو لعام 1970، وهى اتفاقية مهمة لحماية الممتلكات الثقافية ومنع الاتجار غير المشروع بها، ولكن للأسف تنص كثير من الإجراءات الدولية على أن الأثر الذى خرج من بلده قبل عام 1970 لا يعود بالضرورة إلى بلده الأصلى. وهذا أمر غير عادل، لأن كثيرًا من الآثار خرجت قبل هذا التاريخ بطرق غير قانونية أو فى ظروف استعمارية أو غير أخلاقية.

arabstoday

GMT 04:15 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

في ذكرى اجتياح الكويت... مخاطر الغزو قائمة

GMT 04:12 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

ذو النكهة

GMT 04:11 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

الشيخ حمد الجاسر و«فيفا»

GMT 04:09 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

حرب الغموض واللَّايقين

GMT 04:07 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

لبنان... المرفأ في انتظار العدالة

GMT 04:05 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

حرب إقليم الشرق الأوسط!

GMT 04:01 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

الزلزال والإشعار والنسوان

GMT 04:00 2026 الثلاثاء ,04 آب / أغسطس

متى يراجع حزب الله حساباته؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عدو الآثار5 عدو الآثار5



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 22:48 2026 الإثنين ,03 آب / أغسطس

تحقيق إسرائيلي يرصد تدمير قرى في جنوب لبنان
 العرب اليوم - تحقيق إسرائيلي يرصد تدمير قرى في جنوب لبنان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab