من روائع أبي الطيب 49

من روائع أبي الطيب (49)

من روائع أبي الطيب (49)

 العرب اليوم -

من روائع أبي الطيب 49

بقلم - تركي الدخيل

وَمَا زِلْنَا نَعْرِضُ أَعْجَازَ أَبْيَاتِ شِعْرٍ لِأَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي، سَارَتْ أَمْثَالاً، فَقَدْ أَقَرَّ الْمُحِبُّ وَالْمُبْغِضُ بِأَنَّ مِنْ مَزَايَا شِعْرِ أَبِي الطَّيِّبِ، إِرْسَالَ الْمَثَلِ فِي أَنْصَافِ الْأَبْيَاتِ...

(138)
وَيَسْتَصْحِبُ الإِنْسَانُ مَنْ لَا يُلَائِمُهْ
يُبَيِّنُ الْمُتَنَبِّي فِي هَذَا الشَّطْرِ جَانِبَاً مِنْ غَرَائِبِ طِبَاعِ الْبَشَرِ، فَفِيْ بَعْضِ اخْتِيَارَاتِ الْإِنْسَانِ الَّتِي يُصِرُ عَلَيْهَا مَا يُؤْذِيْهِ.
عِنْدَمَا يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ رِفْقَةً لَا تُوَافِقُهُ وَلَا تُنَاسِبُ طَبْعَهُ، فَإِنَّهُ يُفْسِدُ رَاحَتَهُ وَسَلَامَ نَفْسِهِ بِيَدِهِ.
لَفْظَةُ «يَسْتَصْحِبُ» تُوحِي بِالْخِيَارِ الْمُتَعَمَّدِ، كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَّخِذُ بِإِرَادَتِهِ مَا يُنَغِّصُ حَيَاتَهُ، وَيُعَكِّرُ مِزَاجَهُ، بَيْنَمَا تُشِيرُ جُمْلَةُ «لَا يُلَائِمُهْ»، إِلَى تَنَافُرِ الطِّبَاعِ، وَتَبَايُنِ الْأَفْكَارِ.
لَفْظُ كَلِمَةِ «يُلَائِمُهْ»، بِتَسْكِينِ الْهَاءِ فِي آَخِرِهَا، يُضْفِي عَلَى الشَّطْرِ إِيقَاعاً سَلِساً، يَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَعْنَى التَّحْذِيرِيِّ الَّذِي يَحْمِلُهُ.
يُلْقِي الْمُتَنَبِّي الضَّوْءَ عَلَى اخْتِيَارَاتِ الْبَشَرِ الَّتِي تُنَاقِضُ فِطْرَتَهُمْ، مُبَيِّناً أَنَّ إِصْرَارَ المَرْءِ عَلَى مَا فِيْهِ ضَرَرُهُ، يَعْكِسُ ضَعْفَ الإِنْسَانِ وَجَهْلَهُ.
فِي بَيَانِ خُطُوْرَةِ الصَاحِبِ، يَقُوْلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»، مُحَذِّراً مِنْ أَثَرِ الصُّحْبَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَخْلَاقِ، مُؤَكِّداً أَنَّ انْتِقَاءَ الصَدِيْقِ مُهِمَّةٌ جِدُّ مُهِمَّةٍ! 
كَمَا أَكَّدَ الْحُكَمَاءُ أَنَّ الرِّفْقَةَ الْمُنَاسِبَةَ تُرِيحُ النَّفْسَ وَتُحَقِّقُ لَهَا الِاتِّزَانَ، بَيْنَمَا غَيْرُهَا تُزْعِجُهَا وَتُثِيرُ التَّنَازُعَ.
الْإِيقَاعُ فِي هَذَا الشَّطْرِ يَحْمِلُ نَبْرَةً تَأَمُّلِيَّةً، كَأَنَّ الْمُتَنَبِّي يَدْعُو الْإِنْسَانَ لِإِعَادَةِ التَّفْكِيرِ فِي اخْتِيَارَاتِهِ.
وَفِي ذَلِكَ يَقُوْلُ أُمَيَّةُ بن أَبِي الصَّلْتِ: 
وَمَا غُرْبَةُ الإِنْسَانِ فِيْ بُعْدِ دَارِهِ 
وَلَكِنَّهَا فِيْ قُرْبِ مَنْ لَا يُشَاكِلُ

(139) 
وَفِي المَاضِي لِمَنْ بَقِيَ اعْتِبَارُ
يُقَدِّمُ أَبُو الطَّيِّبِ فِي هَذَا الشَّطْرِ حِكْمَةً خَالِدَةً، تَدْعُو إِلَى التَّأَمُّلِ وَالْعِظَةِ، بِمَا سَبَقَ وَمَنْ مَضَى وَمَا فَاتَ وَانْقَضَى.
الْمَاضِي مَدْرَسَةٌ عَظِيمَةٌ، يَتَعَلَّمُ مِنْهَا الْعُقَلَاءُ، بِأَخْذِ الْعِبَرَ مِنْ أَحْوَالِ مَنْ عَبَرْ، وَاسْتِخْلَاصِ دُرُوسِ الْأُمَمِ وَالْبَشَرِ
كَلِمَةُ «اعْتِبَارُ» تَحْمِلُ مَعْنَى التَّفَكُرِ وَالِاتِّعَاظِ، وَتُضْفِي عَلَى الشَّطْرِ إِيقَاعاً مُتَّزِناً، يَحْمِلُ نَبْرَةً حَكِيْمَةً، تُنَاسِبُ حِكْمَةَ الْمَعْنَى. 
قَالَ حَكِيمٌ: كَفَى مُخْبِراً عَمَّا بَقِيَ مَا مَضَى.
وَيَقُولُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: «مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِالْمَاضِي، ضَيَّعَ الْحَاضِرَ»، مُؤَكِّداً أَهَمِيَّةَ ذَلِكَ فِي بِنَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَكَّدَ الْحُكَمَاءُ أَنَّ التَّارِيخَ مِرْآةٌ تُظْهِرُ الخَيْبَاتِ وَالنَّجَاحَاتِ، لِمَنْ يَتَأَمَّلُ فِيهَا بِعَيْنِ الْمُعْتَبِرِ الْعَاقِلِ.
قِيلَ: لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْعُقُولِ حَاكِمٌ كَالْعِبَرِ، وَلَمْ يَحْكُمْهَا مُحْكَمٌ كَالتَّجْرِبَةِ.
كَأَنَّ الْمُتَنَبِّي فِي هَذَا الشَّطْرِ يُخَاطِبُ الْعُقُولَ الْمُتَفَكِّرَةَ الَّتِي تَبْحَثُ عَنِ الْحِكْمَةِ.
إِنَّهُ يُذَكِّرُنَا كَمْ فِي الْمَاضِي مِنَ الدُّرُوسِ الْبَلِيغَةِ وَالْقِصَصِ الْمُفِيدَةِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْيَا بِعَقْلٍ وَاعٍ، وَبَصِيرَةٍ ثَاقِبَةٍ.

(140) 
شَرُّ البِلَادِ مَكَانٌ لَا صَدِيقَ بِهِ
الصَّدِيقُ: هُوَ الْمُصَادِقُ لَكَ، وَمَصْدَرُهُ صَدَاقَةٌ، وَاشْتِقَاقُ الصَّدِيقِ مِنْ كَوْنِهِ صَدَقَهُ الْمَوَدَّةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَهُوَ الْخِلُّ أَوِ الْخَلِيلُ. وَالصَّدِيقُ لِلذَّكَرِ، وَالصَّدِيقُ لِلْأُنْثَى كَذَلِكَ.
وَهَذَا الشَّطْرُ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَوَارِزْمِيُّ فِي: (الْأَمْثَالُ الْمُوَلَّدَةُ)، وَأَوْرَدَهُ ضِمْنَ بَيْتِهِ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ فِي (الْأَمْثَالُ السَّائِرَةُ مِنْ شِعْرِ الْمُتَنَبِّي).
وَالشَّرُّ: ضِدُّ الْخَيْرِ، وَهُوَ السُّوءُ.
وَشَرُّ الْبِلَادِ: أَكْثَرُ الْبِلَادِ سُوءاً، وَهِيَ الَّتِي لَا تَجِدُ فِيهَا صَدِيقاً يُؤْنِسُ وَحْشَتَكَ، وَيَصْدُقُكَ فِي مَوَدَّتِكَ، وَيُشَارِكُكَ آَلَامَكَ وَآمَالَكَ، وَيَفْرَحُ لِفَرَحِكَ، وَيَحْزَنُ لِحُزْنِكَ، وَيُذْهِبُ عَنْكَ الْهَمَّ وَالْغَمَّ بِمُسَامَرَتِهِ لَكَ، وَمُعَاوَنَتِهِ إِيَّاكَ.
يَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ:
سَلَامٌ عَلَى الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا     صَدِيْقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الْوَعْدِ مُنْصِفَا
وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْخَضِرُ حُسَيْنُ: «فِي اتِّخَاذِ صَدِيقٍ حَمِيمٍ لَذَّةٌ رُوحِيَّةٌ يَدْرِكُهَا مَنْ يَسَّرَ اللهُ لَهُ أَنِ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ ذَوِي الْأَخْلَاقِ النَّبِيلَةِ، وَالْآدَابِ الْعَالِيَةِ مَوَدَّةٌ، وَلَا مَنْشَأَ لِهَذِهِ اللَّذَّةِ الرُّوحِيَّةِ إِلَّا الشُّعُورُ بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ النَّبِيلِ الْمُهَذَّبِ مِنْ صَدَاقَةٍ. وَصَدِيقُ الْفَضِيلَةِ هُوَ الَّذِي يَجِدُ فِي لِقَاءِ صَدِيقِهِ ارْتِيَاحاً وَابْتِهَاجاً، وَيَعُدُّ الْوَقْتَ الَّذِي يَقْضِيهِ فِي الْأُنْسِ بِهِ مِنْ أَطْيَبِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا تَسْمَحُ بِهَا الْأَيَّامُ إِلَّا قَلِيلاً، ثُمَّ إِنَّ الصداقة تَسْتَدْعِي بِطَبِيعَتِهَا جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ دَفْعَ الضَّرَرِ، فَإِنَّهَا تَبْعَثُ الصديق عَلَى أَنْ يَدْفَعَ عَنْ صَدِيقِهِ الْأَذَى بِمَا عِنْدَهُ مِنْ قُوَّةٍ، وَتَهُزُّهُ لِأَنْ يُسْعِدَهُ فِي الشَّدَائِدِ بِمَا أُوتِيَ مِنْ جَاهٍ أَوْ سَطْوَةٍ. وَلِمِثْلِ هَذَا أَوْصَى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ بِاتِّخَاذِ الْأَصْدِقَاءِ، فَقَالَ: أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ».
يَقُولُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
لَعَمْرُكَ مَا مَالُ الفَتَى بِذَخِيرَةٍ    
وَلَكِنَّ إِخوَانَ الصَّفَاءِ الذَّخَائِرُ

arabstoday

GMT 05:08 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:07 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… أحد رموز الدولة المتوحّشة

GMT 05:05 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 05:01 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 04:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المباراة المثالية

GMT 04:58 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 04:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 04:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من روائع أبي الطيب 49 من روائع أبي الطيب 49



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ العرب اليوم

GMT 17:26 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد نزع سلاح حماس
 العرب اليوم - نتنياهو يعلن أن المرحلة المقبلة ستشهد نزع سلاح حماس

GMT 20:38 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

مصر تضبط عالم الأطفال الرقمي بقانون جديد

GMT 08:42 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

قوة إسرائيلية تتوغل داخل الأراضي اللبنانية

GMT 12:01 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

باريس هيلتون تخرج عن صمتها الطويل حيال فيلمها الفاضح

GMT 12:18 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر

GMT 22:16 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

رين يضم سيباستيان شيمانسكي بعقد يمتد حتى 2029

GMT 09:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق متفرقة في قطاع غزة

GMT 08:50 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مستشفى في الخرطوم بحري يعود إلى العمل بعدما دمرته الحرب

GMT 08:54 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الدولار يتجه لتسجيل أسوأ أداء أسبوعي في 7 أشهر

GMT 09:10 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

طائرة تقل 238 راكبا أرسلت إشارة استغاثة فوق الصين

GMT 18:46 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab