كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار

كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار!

كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار!

 العرب اليوم -

كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار

بقلم : تركي الدخيل

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟ أَرَأَيْـتَ عَـيْنًا لِلْـبُكَاءِ تُعَارُ؟

هَذَا بَيْتُ شِعْرٍ آسِرٌ، لِلشَّاعِرِ النَّجْدِيِّ: العَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ، يُبْدِعُ فِيهِ بِتَنَاوُلِ مَعْنًى لَطِيفٍ، لَمْ يُطْرَقْ قَبْلَهُ.

لَقَدْ أَكْثَرَ العُشَّاقُ الحَدِيثَ عَنِ الدُّمُوعِ، وَلَكِنَّهُ هُنَا، يَتَكَلَّمُ عَنِ النُّضُوبِ... عَنْ بُكَاءٍ طَالَ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنٌ تَبْكِي... فَيَقُولُ مَا مَعْنَاهُ:

أَمَا فَكَّرْتَ أَنْ تَسْتَعِيرَ عَيْنًا؟ لَا بَأْسَ، وَلَكِنْ مَنْ يُعِيرُكَ عَيْنَهُ؟... أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟ لَمْ يَقُلْ: تُعَارُ لِلْبُكَاءِ، بَلْ قَالَ: لِلْبُكَاءِ تُعَارُ. فَالْبُكَاءُ هُوَ سَبَبُ الْإِشْكَالِ، وَلَيْسَ الْإِعَارَةُ.

وَمَا قَامَتِ الْقَضِيَّةُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ دُونَ شَكّ!

لَا يَقُولُ إِنَّ الْعُيُونَ لَا تُعَارُ، بَلْ يُخَصِّصُ الْإِعَارَةَ لِلْبُكَاءِ بِسُؤَالِهِ الِاسْتِنْكَارِيِّ، لِأَنَّ بُكَاءً عَلَى هَذَا النَّمَطِ هُوَ أَقْصَى حُدُودِ الْإِعْيَاءِ.

لَقَدْ قَالَ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ:

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟

إِذْ هُوَ مُتَعَاطِفٌ مَعَ مَنْ يُخَاطِبُهُ، مُتَفَاعِلٌ مَعَ مُشْكِلَتِهِ، فَابْتَدَأَ بَيْتَهُ بِالتَّفْكِيرِ الْعَمَلِيِّ فِي الْحَلِّ، مِمَّا اقْتَضَى سُؤَالَهُ، السَّابِق!

وَمِنَ التَّجَنِّي عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، زَعَمَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، أَنَّهُ أَخَذَ الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَلِي كَبِدٌ مَقْـرُوحَةٌ مَنْ يَبِيْعُنِـي بِهَا كَبداً لَيْسَتْ بِذَاتِ قُـرُوْحِ

أَبَى النَّاسُ وَيْحَ النَّاسِ أَنْ يَشْتَرُوْنَهَا وَمَنْ يَشْتَرِي ذَا عِـلَّـةٍ بِصَحِيْحِمَقْرُوحَةٌ: أَيْ مَجْرُوحَةٌ. وَقُرُوحٌ: جُرُوحٌ. وَأبَقَى عَلَى النُّونِ فِي (يَشتَرُونَهَا) لِلضَّرُورَةِ الشّعْرِيَّة، أَيْ أنَّه لَوْ أَبْقَاهَا لاخْتَلَّ وَزْنُ البَيْتِ.

وَالْبَيْتَانِ لِابْنِ الدُّمَيْنَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَيُنْسَبَانِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِمَجْنُونِ لَيْلَى، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لِلْحُسَيْنِ بْنِ مُطَيْرٍ الْأَسَدِيِّ.

وَرُغْمَ الْخِلَافِ فِي قَائِلِ الْبَيْتَيْنِ، فإنَّ أَحَداً لَمْ يَقُلْ بِنِسْبَتِهِمَا إِلَى الْأَخْطَلِ الصَّغِيرِ، قَبْلَ أُسْتَاذِنَا سَمِيرِ عَطَا اللهِ، فِي مَقَالِهِ يَوْمَ الأحد 11 مَايُو 2025، وَفِيهِ اشْتَكَى «الِانْسِدَادَ»، وَلَعَلَّهُ سَبَبُ رِوَايَتِهِ الْبَيْتَ قَائِلًا:

وَلِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ مَنْ لِي بِكَبِدٍ لَيْسَتْ بِذَاتِ قُرُوحِ

وَيَبْدُو أَنَّ «الْمَقْرُوحَ» هُوَ وَزْنُ الْبَيْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُسْتَاذُ، وَقَاهُ اللهُ شَرَّ كُلِّ انْسِدَادٍ وَمَقْرُوحٍ.

وَالْأَخْطَلُ الصَّغِيرُ، هُوَ الشَّاعِرُ اللُّبْنَانِيُّ، الْفَحْلُ الْمَطْبُوعُ؛ بِشَارَةُ عَبْدِ اللهِ الْخُورِي (1885 – 1968)، وَأَحْسَبُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ سَمِيرَ نَسَبَ لَهُ الْبَيْتَ لِحُضُورِ مُفْرَدَةِ (الْكَبِدِ) فِي شِعْرِهِ. فَلَهُ قَصِيدَةٌ يَحْكِي فِيهَا قِصَّةَ وَلَدٍ غَرِقَ فِي غَيَاهِبِ السُّكْرِ، فَمَا وَقَفَ مَعَهُ غَيْرُ أُمِّهِ، الَّتِي نَقَلَ لَنَا الشَّاعِرُ أَحَاسِيسَهَا، بِالْقَوْلِ:

قَالَتْ لَهُ: نَمْ نَمْ لِفَجْرِ غَدِ ضَعْ رَأْسَكَ الْوَاهِي عَلَى كَبِدِي

نَمْ، لَا تُسَلِّطْ يَا حَبِيبُ عَلَى مَخْمُورِ جِسْمِكَ قِلَّةَ الْجَلَدِ

وَمِنْ قَلَائِدِ قَصَائِدِ الْأَخْطَلِ الصَّغِيرِ، مَرْثِيَّتُهُ فِي أَحْمَدَ شَوْقِي، وَمَطْلَعُهَا بَدِيعٌ، يَقُولُ فِيهِ:

قَالَ الْمَلَائِكُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُمْ:

هَذَا هَوَى الشَّرْقِ هَذَا ضَوْءُ نَاظِرِهِ

وَكَانَ شَوْقِي سَأَلَ الْأَخْطَلَ الصَّغِيرَ أَنْ يَرْثِيَهُ، فَجَاءَتِ اسْتِجَابَةُ صَدِيقِهِ وَجَعاً فِي كَبِدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَبِدًا مَقْرُوحَةً، فَقَالَ خَاتِماً مَرْثِيَتَهُ:

سَأَلْتَنِيْهِ رِثَاءً خُذْهُ مِنْ كَبدِي

لَا يُؤْخَذُ الشَّيْءُ إِلَّا مِنْ مَصَادِرِهِ!

وَإِذَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ يَتَسَاءَلُ بِحَسْرَةٍ:

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟

فَإِنَّنَا نَجِدُ فِي بَيْتٍ بَدِيعٍ لِلصِّمَّةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُشَيْرِيِّ تَعَامُلاً مُخْتَلِفاً مَعَ فِعْلِ الْبُكَاءِ:

بَكَتْ عَيْنِي الْيُسْرَى فَلَمَّا زَجَرْتُهَا

عَنِ الْجَهْلِ بَعْدَ الْحِلْمِ أَسْبَلَتَا مَعَا

إِنَّ فِعْلَ (الزَّجْرِ) فِي البَيْتِ يَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الْمَنْعِ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى التَّأْنِيبِ وَالنَّهْرِ. وَاستدعى زَجْرَ عَيْنِهِ، لِأَنَّهَا اسْتَمْرَأَتِ البُكَاءَ وَهِيَ عَالِمَةٌ بِضَرُوْرَةِ وَقْفِهِ.

إِنَّ بُكَاءَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، بَعْدَ التَّحَلِّي بِالْحِلْمِ، يُنْظَرُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجَهْلِ، أَوِ الْخِفَّةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الرَّدْعَ...

لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُسفِرْ عَنْ مُرَادِ الزَّاجِرِ، إِذْ تَدَاعَتِ العَيْنُ اليُمْنَى لِلبُكَاءِ مَعَ اليُسْرَى، حَتَّى لَا تَحْتَاجَ إِلَى اسْتِعَارَةِ عَيْنٍ لِلبُكَاءِ...

أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟!

arabstoday

GMT 04:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 04:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 04:08 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 04:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 04:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 03:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 03:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 05:52 2026 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

سياحة البلدات الصغيرة ترند السفر في خريف 2026

GMT 04:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab