رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم

رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم!

رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم!

 العرب اليوم -

رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم

بقلم : تركي الدخيل

كانَ رجلاً مختلفاً، لا يَعرفُ إلَّا أَنْ يَكونَ مِلءَ السَّمْعِ والبَصَرِ، أيّاً كَانَ الزَّمانُ والمَكانُ الذِي يَحِلُّ فِيهِمَا... وَبِالأمْسِ رَحَلَ عَنْ دُنْيَانَا، لَكِنَّهُ بِحُضُورِهِ الطَّاغِي، فِي حَيَاتِه وبَعْدَ مَمَاتِه، سَيبْقَى مِلْءَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَكَأَنَّهُ تَصْوِيرٌ عَمَلِيٌّ لِبَيْتِ أَبِي الطَّيّبِ المُتَنَبّي القَائِلِ:

وتَرْكُكَ في الدُّنْيَا دَوِيًّا كَأنَّمَا

تَدَاولُ سَمْعَ المَرْءِ أَنْمُلُهُ العَشْرُ

إنَّهُ وَزيرُ الخَارِجِيَّةِ المَغْرِبِيّ الأَسْبقُ، مُحمَّدُ بن عيسَى، الذِي تُوفِيَّ يومَ الجُمعَةِ المَاضِي، عَنْ 88 عَاماً، بَعدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِحُضُورٍ سِيَاسِيّ لَافِتٍ، وتَأَلُّقٍ ثَقَافِيّ ثَابِتٍ، وَإنْسَانِيَّةٍ جَعَلَت الرَّاحِلَ شَخْصِيَّةً عَرَبِيَّةً تَحْظَى بِاحْتِرَامِ القَاصِي وَالدَّانِي، فِي المَجالَاتِ كَافَّةً، فقد كَانَ «له في كُلِّ عُرسٍ قُرص».

مِنَ المُفارقاتِ اللَّافتةِ وَاللَّطيفَةِ أَنَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّفَ عَلَى مُحمَّد بن عيسَى اعْتَقَدَ أَنَّهُ صَدِيقُهُ الحَمِيمُ، من فرطِ لُطفِ الفَقيدِ معَ الجَمِيعِ، وفائقِ تهذيبِه، وجوامعِ أدبِه، وسمَاحةِ نفسِه.

(سي بنعيسى)، كَمَا يَكتُبُ المَغَاربَةُ، وَيَلفِظُونَ، كَانَ وزيرَ الثَّقافةِ فِي المَغربِ، سبعَ سنواتٍ سِمانٍ، من 1985 إلى 1992.

مُنِحَ محمدُ بن عيسَى في عامِ 1993 جائزةً تمثَّلتْ في اختيارِ العَاهلِ المَغربي السَّابق المَلكِ الحَسنِ الثَّانِي، له ليكونَ سفيراً للمغربِ لدى الولاياتِ المتحدة. وجَرْيًا علَى عَادتِهِ في التَّميُّزِ، حَقَّقَ بن عيسَى نَجَاحاً بَاهراً أهَّلَهُ لتمثِيلِ بلادِه في واشنطن، العاصمةِ الأهمّ عَالميّاً؛ سبعَ سنواتٍ سمانٍ أخرَى.

كانتْ مكافأةُ بن عيسى علَى نَجَاحِه في مَهمَّتِهِ الأميركيةِ، تعيينَه في أبريل (نيسان) 1999 وزيراً للخَارجيةِ بالمغرب، واستمرَّ في المنصبِ حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2007.

محمد بن عيسى كانَ أيقونةً في دعمِ المدينةِ الصَّغيرةِ الوَادعةِ التِي وُلدَ فيهَا، ويَنتمِي إليهَا، وهيَ مدينةُ (أصِيلة)، التِي تَرقدُ بِسَلَامٍ علَى سَاحلِ البَحرِ الأبيضِ المُتوسّط.

والحَقُّ أنَّ بن عيسى جعلَ من أصيلةَ، مركزاً حضارياً، وموئلاً للثقافةِ والفنونِ وحوارِ الحَضاراتِ، منذ أسَّسَ هو وصديقُه الفنانُ المَغربيُّ الرَّاحلُ مُحمَّدُ المليحي، قبلَ نحوِ نصفِ قرنٍ، مهرجانَ أصيلةَ الثَّقافي الدَّولي، الذِي يَحتضِنُ كلَّ عامٍ فعالياتٍ ثقافيةً وفنيَّةً وحضاريةً، أهَّلتْهُ ليكونَ واحداً من أهمّ المهرجاناتِ الثقافيةِ في العَالمِ العَربِي وأفريقيَا.

وإذَا كانتْ مدينةُ أصيلةَ حاضرةً على خارطةِ المغاربة، فلقدْ وضعَهَا بن عيسَى رحمه الله، علَى خَارطةِ الثَّقافةِ، لا عَربِيّاً فَحسبْ، بلْ عَالميّاً، حيثُ تَبنَّى مهرجانُ أصيلةَ الثقافيُّ الدوليُّ، حواراتٍ فكريةً، أسهمتْ فِي تعزيزِ المُشتركِ الإنسَانِي، والتَّقاربِ الفكريّ والمَعرفيّ بينَ الشُّعوبِ.

مهرجانُ أصيلةَ، كانَ الابنَ المُدَلَّلَ للفقيدِ، وكانَ يديرُه ويشرفُ علَى تَفاصيلِه كافةً، وسَخَّرَ مُحمَّد بن عيسَى علاقاتِه السّياسيةَ والثَّقافيةَ لخدمةِ أصيلة، ومهرجانِها الثَّقافي، فأصبحتْ بحقٍّ مركزَ إشعاعٍ فكريّ ومَعرفيّ.

ورغمَ تخلّيه عن مناصبِه السّياسيةِ فِي آخرِ حياتِه، إلَّا أنَّه لم يَتخلَّ عن رئاسةِ بلديةِ أصيلةَ التِي يشغلُها منذ أنْ فازَ بهَا في الانتخابِ عام 1983 وبَقيَ يتولَّى هذه المسؤوليةَ حتى رحِيلِه، رَحمه الله.

وَتَحمِلُ حياةُ الفقيدِ جوانبَ لطيفةً مختلفةً، فهوَ علَى غيرِ العَادةِ وصلَ إلى وزارةِ الخارجيةِ المغربيةِ من بوَّابةِ الصّحافة، التِي قادَهُ عشقُه لهَا إلَى الرّحلةِ في طلبِ العِلمِ مبكراً، إذ سافرَ وهوَ ابنُ 16 ربيعاً إلى الإسكندريةِ لدراسةِ الصِّحافة. وفي عام 1961 نالَ منحةً للدّراسةِ الجامعيةِ في الولاياتِ المتحدة، حصلَ من خلالِها على بكالوريوس في الصّحافةِ من جامعةِ مينيسوتا عام 1963.

وكمَا لو كانتِ الفرانكفونية هي خيارَ المغاربةِ الوحيد، طوَى ابن عيسَى تحتَ ذراعة فرانكفونيته التي حازهَا رضاعةً، وأضافَ إليهَا الأنغلوسكسونيةَ التي كانتْ من معالمِ تَميُّزِه فِي المغرب.

ومِن لَطائفِ حياة ابنِ عيسى ومفارقاتِهَا أنَّ شغفَه قادَهُ ليسافرَ فِي رحلةٍ صحافيةٍ عامَ 1961، إلى الكويت (استقلَّتِ الكويت في 19 يونيو/حزيران 1961)، حيث أجرَى مقابلاتٍ صحافيةً مُهمَّةً، كانَ أبرزُها معَ الشَّيخ صباح الأحمدِ الجابرِ الصباح (أميرِ الكويت الرَّاحل)، الذِي كَانَ يتولَّى (حينَها) رئاسةَ دائرةِ المَطبوعاتِ والنَّشر (نواةِ وِزارةِ الإعلامِ بعد تشكيلِ مجلسِ الوزراء في 1962).

والمفارقة أنَّ محمد بن عيسى أصبحَ زميلاً لصباحِ الأحمد، بوصفِهمَا وزيري خارجية بلديْهمَا، منذ تولّي بن عيسى وزارةَ الخارجيةِ المغربية في أبريل عام 1999 إلى يوليو 2003، حيث تولَّى الشيخُ صباح رئاسةَ مجلسِ الوزراءِ وتخلَّى عن حقيبةِ الخارجية.

مُحمَّدُ بن عيسى، عاشقُ أصيلةَ، المولودُ بهَا في 3 يناير (كانون الثاني) 1937، كما احتضنتْ أصيلةُ مبادراتِه، سَتحتضِنُ جثمانَهُ الذي سَيدفَنُ فيهَا.

arabstoday

GMT 07:04 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

خواطر السَّنة الفارطة... عرب ومسلمون

GMT 07:02 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

ماذا عن سوريا؟

GMT 07:01 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

مرّة أخرى... افتراءات على الأردن

GMT 06:58 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

فلوريدا… ترمب لا يسمح بالفشل.. ونتنياهو لا يسمح بالنجاح

GMT 06:55 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

“أبو عمر”… سوسيولوجيا بُنية التّبعيّة

GMT 06:50 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

الكرة الإفريقية.. حقيقة الخريطة

GMT 06:48 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

الأحزاب وديوان المحاسبة.. مخالفات بالجملة!

GMT 06:46 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

في وداعِ الصَّديق محمد الشافعي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم



النجمات يتألقن بلمسة الفرو في الشتاء

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 09:50 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

هزة أرضية تضرب مناطق غرب اللاذقية في سوريا

GMT 06:11 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

رحلة سياحية لاكتشاف فرنسا بعيون جديدة في عام 2026

GMT 18:45 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

زيلينسكي يفتح باب بحث نشر قوات أميركية في أوكرانيا

GMT 09:47 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

ارتفاع حصيلة الشهداء الصحفيين في غزة إلى 275

GMT 17:33 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

السعودية تؤكد التزامها بأمن اليمن ودعم مجلس القيادة الرئاسي

GMT 19:14 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

حبس رمضان صبحي لاعب بيراميدز المصري لمدة عام في قضية تزوير

GMT 06:18 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

10 وجهات سياحية جاذبة لاكتشاف العالم في عام 2026

GMT 07:31 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

الذهب ينتعش من أدنى مستوى في أسبوعين والفضة تتعافى

GMT 15:54 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

تركيا تُعلن توقيف 357 شخصاً في 21 محافظة بسبب صلات بـ«داعش»

GMT 09:36 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع منصات التنقيب عن النفط بمقدار ثلاث
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab