بقلم : إنعام كجه جي
أما التي خرجت لتصليح الهوائي العاطل فهي صوفي أدينو. رائدة الفضاء الفرنسية الموجودة حالياً في محطة خارجية تبعد عن الأرض 400 كيلومتر. تقتضي رحلتها العلمية أن تبقى هناك تسعة أشهر. سافرت في فبراير (شباط) الماضي واقترب موعد عودتها. إنها أطول مهمة لرائد فضاء أوروبي خارج الأرض حتى الآن.
سافرت صوفي أدينو إلى الفضاء مع زميل لها من قاعدة في ولاية فلوريدا الأميركية. حملهما صاروخ والتحم بالمحطة الفضائية العالمية. كان عليها أن تنجز 36 تجربة لحساب المركز الفرنسي لدراسات الفضاء. بينها أبحاث حول وظائف جسم الإنسان في انعدام الجاذبية. واختبار التقنيات التي يمكن استخدامها مستقبلاً في الرحلات المأهولة إلى القمر والمريخ. سار كل شيء على ما يرام. ثم تعطّل هوائي خارجي للاتصالات.
خرجت الرائدة من المحطة وسارت في الفضاء لتصليحه. لم تنجح محاولة التصليح في التجربة الأولى. أمر عاديّ يحصل لأي كهربائي أو سبّاك يمارس عمله على الأرض. لكن صوفي تعرضت لما تتعرض له أي عاملة في محيط ذكوري. سمعتْ آراء لا تخلو من تمييز جنسي. والتعليق الأسهل هو أنها امرأة غير قادرة على القيام بمهمات الرجال. لكنها ليست أي امرأة. تعالوا نقرأ سيرتها:
صوفي أدينو ضابطة برتبة عقيد في سلاح الجو الفرنسي. درست الهندسة في بلدها وتخصصت في ديناميكية المروحيات ومركبات الفضاء. حاصلة على الماجستير من معهد ماساتشوستس الشهير للتكنولوجيا في الولايات المتحدة. دخلت الجيش وتخصصت في قيادة المروحيات. شاركت في مهمات إنقاذ معقدة. عملت في سرب نقل كبار المسؤولين قبل أن تصبح طيارة اختبار للمروحيات. سجَّلت أكثر من 3 آلاف ساعة طيران على 22 نوعاً من المروحيات. كل ذلك قبل اختيارها، وهي على مشارف الأربعين، للالتحاق ببرنامج الفضاء الفرنسي.
هل يبقى الهوائي عاطلاً؟ عادت ونفذّت ثلاث عمليات خروج فضائي، آخرها في الشهر الحالي حيث بقيت خارج المحطة لأكثر من ست ساعات. وبلغ مجموع تحركاتها الخارجية 20 ساعة. وبهذا فإنها أول فرنسية تسير في الفضاء. أنهت تصليح الهوائي وقامت بتغيير جهاز ملاحي تستخدمه المركبات عند الاقتراب من المحطة والالتحام بها. كما أخذت، برفقة زميلة أميركية لها، عينات لدراسة الكائنات المجهرية الخارجية، ونفذت أعمالاً تتعلق بالطاقة ونقل البيانات.
خلال ذلك، كانت تتحدث إلى الصحافيين عبر الشاشة من داخل المحطة. تبتسم وتتلقى الأسئلة وتنقل تفاصيل يومياتها أولاً بأول. ويومياً كان الفرنسيون يشاهدون تلك التسجيلات في نشرات الأخبار. لكن ما لا يعرفه المشاهدون أنها كانت تحرص على الاتصال، يومياً، بابنها الوحيد البالغ من العمر 10 سنوات للاطمئنان عليه وطمأنته عليها.
في واحدة من آخر رسائلها، كتبت العقيد الطيار صوفي أدينو لمتابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي: «استمتعت كثيراً بالعمل في الفضاء الخارجي. إنها مغامرة حقيقية داخل مغامرة، وتزداد روعتها لأنها جهد جماعي». وكان الرئيس ماكرون على حق حين قال إنها مصدر «فخر فرنسي».