متحف الأوهام

متحف الأوهام

متحف الأوهام

 العرب اليوم -

متحف الأوهام

بقلم : إنعام كجه جي

منذ سنوات وأنا أمرّ في طريقي أمام «متحف الوهم» في باريس وأؤجل الدخول إليه. أطمئن نفسي بأن لديّ ما يكفي من التهيؤات. لا مكان لـ«سَخْتَة» جديدة. هكذا نسمّي الحيلة بلهجتنا. ما الذي يمكن إضافته إلى مجاميع الأمنيات التي بلبلت جيلي؟

التقيت مؤخراً بصديق كان ملء السمع والبصر. رأيته هذه المرّة صامتاً شارداً. يحاول الكلام فتهرب منه الكلمات. تشخيص الطبيب أنه سليم العقل. لا خرف ولا ألزهايمر. كل ما في الأمر عطل في الجانب المسؤول عن الحديث في الدماغ. كيف وصل العجز إلى مَن كان مفوّهاً لبقاً حاضر الذهن؟

تشخيصي هو أن هذا الصديق مُصاب بمرض الخذلان القومي. وهو ليس حالة منفردة. أتابع حولي أعراضاً غريبة تصيب رجالاً ونساء أصحاء الجسد. أراهم يستغرقون في القنوط. يستسلمون لتتابع الخيبات والسيل الثقيل للمفاجآت السياسية. بينهم من جاءته جلطة أو سكتة أو ورم مفاجئ. حلموا في شبابهم بأوطان موحدة وغدٍ زاهر. رخاء وفرص عمل وحرية. ثم تداعى كل شيء مثل قطع الشطرنج المصفوفة عمودياً. دفعة صغيرة للقطعة الأولى فينهار الجدار بالتتابع.

سمعنا كثيراً أننا جيل الخديعة. دبجنا الشعارات. رفعنا اللافتات. تحزّبنا وتخاصمنا وهتفنا حتى بُحّتْ الحناجر. لكن المخدوع لا يلدغ من جحر مرتين. فما سرّ اللدغة الثانية والثالثة وكل هذا النهش الذي لا يتوقف؟ كنت أود أن أكتب أننا أبناء أوطان بلغت سن اليأس لكن أصابعي التي تنقر على لوحة المفاتيح تعاندني. لا تستجيب لتدفّق أفكاري. ليس مسموحاً لي أن أغلق الأفق في وجه أحفادي. أستعيد مجدداً عبارة عميقة ساخرة سمعتها من الأديب الفلسطيني إميل حبيبي. قال: «شعبي لا يقتني اليأس لأنه من الكماليات».

وفي السودان كماليات، وفي العراق، وفي فلسطين، وفي سوريا، وفي ليبيا، وفي اليمن، وفي لبنان، وفي وفي وفي... وهناك مَن يمتلك القدرة على اقتنائها. يبتلع الحبوب المُسكنّة. يدخّن الشيشة في انتظار الدخول في الجدار.

لم أكتفِ، أمس، بالمرور من أمام «متحف الوهم». قطعت تذكرة ودخلت. تركت نفسي لكل البدائع التي وعدتني بها الإعلانات الملصقة على البوابة. مساحات مشغولة هندسياً لزغللة العيون. مرايا تجعلك طويلاً مثل طنطل. أو ضئيلاً مثل حشرة. سقوف تهبط وتنطبق على الرؤوس. أرضيات تهوي بك إلى فجوة فيهبط قلبك معها. تجد نفسك في حضن وسائد من ريش. ضحكات الزوار وصرخاتهم تعلو وتعلو، تدعوك لترك الحرج والتنكر لوقار مفتعل. انسَ الواقع واغسل عينيك من مشاهد القتل والحرائق وأذنيك من طبول الحرب.

تخرج من المتحف محبطاً لأن مقالب واقعنا أدهى من ألعابهم. يمكننا تصدير بضاعتنا النادرة إلى الشعوب المرتاحة. أمشي تحت شمس نادرة وأردد بيت الجواهري الكبير:

«هذا هو الأمَلُ المزعومُ فاقتَرِعُوا / واليأسُ أجدَرُ لو أنصَفْتَ مُقتَرعا».

arabstoday

GMT 01:42 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 01:40 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 01:35 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 01:34 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 01:33 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 01:31 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

متحف الأوهام متحف الأوهام



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ العرب اليوم

GMT 15:41 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

خامنئي سيلقي خطاباً خلال دقائق

GMT 09:17 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

بورصة الكويت توقف التداول حتى إشعار آخر

GMT 18:46 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

طائرة مسيرة تستهدف مطار الكويت الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab