بقلم : سليمان جودة
إذا شئت أن يرافقك كتاب فى شهر رمضان بخلاف كتاب الله تعالى، فسوف أشير عليك بكتاب «أئمة الفقه التسعة» للأستاذ عبدالرحمن الشرقاوى.
وسوف يكون لذلك أسباب منها أننا عشنا نعرف أن أئمة الفقة أربعة، وأنهم تتابعوا زمنيًا كالتالى: الإمام أبوحنيفة النعمان، الذى جاء الدنيا وغادها فى أرض العراق. الإمام مالك بن أنس الذى عاش فى المدينة المنورة. الإمام الشافعى الذى ولد فى أرض فلسطين، ومنها زار ودار بين بلاد كثيرة. ثم الإمام أحمد بن حنبل الذى عاش كالإمام النعمان فى بلاد الرافدين.
ولكن عبد الرحمن الشرقاوى يضيف إليهم خمسة من الأئمة: الليت بن سعد، ابن حزم الأندلسى، زيد على زين العابدين، جعفر الصادق، ثم العز بن عبدالسلام.
من طريف ما يرويه الشرقاوى أنه فوجئ بأن المراجع المتوفرة عن حياة الإمام الليث قليلة، بل تكاد تكون لا وجود لها، ولم يكن أمامه إلا أن يتوجه إلى الجامع الذى يحمل اسمه، لعله يجد فيه ما يساعده فى الكتابة عن الإمام. استقبلوه فى الجامع وأكرموه لأن الليث اشتهر بالكرم. ولما سألهم عما إذا كان فى الجامع مؤلفات للإمام أو مؤلفات عنه، أخبروه أن مكتبة كانت موجودة فعلًا، وأن أذكاراً كانت تقام فى المكان مرة فى الأسبوع ولكنها مُنعت، ومن بعدها تعرض الجامع للإهمال، وتسللت الماعز إلى المكتبة وأكلت ما فيها من نفائس ومخطوطات!.
وكان الدكتور زكى نجيب محمود قد كتب مقالًا عنوانه «الليث أفقه من مالك ولكن أهله خذلوه» وكان المعنى أن فقه الليث أقوى من فقه مالك نفسه، ولكنه لم يجد مَنْ ينشره أو يحمله إلى الناس، وهذا موضوع آخر فى قضية أخرى.
ولكن ما سوف تجده فى حياة الأئمة الخمسة الذين أضافهم عبد الرحمن الشرقاوى إلى الأئمة الأربعة، أن الشجاعة فى إبداء الرأى وفى التعامل مع قضايا الناس، كانت هى القاسم المشترك الأعظم الذى يربط بينهم جميعًا.
من ذلك مثلًا أن العز بن عبدالسلام أفتى الناس فى قضية ذات يوم، وحين عاد إلى بيته يراجع ما أفتى به، اكتشف أن فتواه ليست فى محلها، فأرسل رجالًا ينادون فى المدينة بأن العز كان قد أفتى بكذا، وأن فتواه كانت خطأً، وأن على مَنْ أخذها ألا يعمل بها، وأن يعود إلى العز ليفتيه بالصواب من جديد.
هكذا كان العز الذى وُلد فى دمشق ودُفن فى المقطم، وهكذا كان هؤلاء الرجال إذا جاءوا يتكلمون فى الدين مع الناس، فكانوا يخاطبون العقل فى رأس كل إنسان.