بقلم: سليمان جودة
نعرف قصة الرجل الذى ظل يكذب ويكذب حتى اشتهر بالكذب بين الناس، فلما جاء يتحدث بغير الكذب ذات مرة لم يصدقه أحد، رغم أنه فى هذه المرة بالذات لم يكن يكذب !
شىء من هذا تجده فى الرئيس الأمريكى الذى يتحدث عن مهلة خمسة أيام لإيران بدأت الإثنين، ثم عن هدنة من القتال تصل إلى شهر، وأيضاً عن مشروع اتفاق يتكون من ١٥ نقطة لوقف الحرب.. جميل جداً.. فكل واحد فى المنطقة وخارجها يتمنى لو أن المهلة تكون أطول، وأن تكون الهدنة سنة لا شهراً، وأن يتمكن المشروع المُقدم لوقف الحرب من وقفها اليوم قبل الغد.
ولكن هناك مشكلة تنسف هذا كله من أساسه، وهى أن سيد البيت الأبيض لم يترك مساحة لدى أحد للثقة بما يقول بوجه عام، ولا فيما يخص عدوانه هو والإسرائيليين على إيران بشكل خاص. لم يترك مساحة ولا فرصة، وبالتالى، فأنت لا تستطيع أن تصدقه، ولسان حالك هو نفسه لسان حال الذين كانوا يسمعون الرجل إياه الذى بقى يكذب ويكذب، فلما قرر أن يتكلم بالصدق لم يجد أحداً يصدقه.
وإلا.. فهل ننسى أنه فى حرب الصيف الماضى على إيران كان يفاوضها، وإذا به يضربها فى عز المفاوضات؟.. هذا ليس دفاعاً عن إيران فما أكثر ما أذاقت المنطقة من الويلات.. ولكنى هنا أريد أن أقول إن كلام ترامب عن هدنة، أو عن مهلة، أو عن مشروع للتفاوض، لا يعنى أبداً أنه يقصد هذا على بعضه، أو أنه جاد فيه.. بل إن العكس على طول الخط يمكن أن يكون هو الحقيقة فى شأن المهلة، والهدنة، ومشروع التفاوض الذى يقوم على ١٥ بنداً!
وليست خدعة الصيف، ولا الحرب التى دامت ١٢ يوماً فى ذلك الصيف، هى الدليل الوحيد على أن ترمب لم يترك مساحة ولا فرصة لأحد ليصدقه. فهذه الحرب الأخرى الدائرة الآن قامت على إيران فجأة أيضاً، بينما الوفد الأمريكى جالس مع الإيرانيين على طاولة يفاوضهم!.
ليس هذا وفقط، ولكن الأمريكيين إمعانًا فى الخداع كانوا يتنقلون بالمفاوضات من مكان لمكان، ومن عاصمة لمدينة.. فكانوا يبدأون فى أنقرة، ومن بعدها راحوا إلى مسقط، ومن مسقط ذهبوا إلى جنيڤ، وفى الحالات الثلاث كانوا يجلسون ويفاوضون الإيرانيين، بينما هُم فى الحقيقة يُضمرون شيئاً غير المعلن على طول الخط !
ما أشد بؤس العالم وهو يتعامل مع رئيس أمريكى هذه هى أخلاقه، وما أشد تعاسة أهل الأرض وهُم يتعاملون مع إدارة أمريكية يجلس على رأسها مثل هذا الرجل!.