بقلم : سليمان جودة
نظرة على الخريطة تكشف لك أن الولايات المتحدة الأمريكية أقرب ما تكون إلى جزيرة تقع بين محيطين، وأنها باستثناء حدودها مع كندا شمالاً والمكسيك جنوباً تبدو منعزلة عن العالم.
هذا الموقع رسّخ إحساساً لدى عموم الأمريكيين بأنهم يعيشون فوق أرض نائية، وبأن المسافة بينهم وبين بقية العالم تقاس بالساعات على متن أسرع الطائرات، وأنهم بالتالى ليسوا فى حاجة إلى العالم من حولهم إلا فى أقل القليل.
وقد أدى ذلك إلى عدم اهتمام من جانب الأمريكى بالشأن العالمى، وأدى إلى استغراق المواطن هناك فى قضاياه الحياتية، وعندما يجرى استطلاع رأى عن علاقة الأمريكيين بمن حولهم فى أنحاء الأرض فإنه يكشف عن الكثير من الطرائف.
من ذلك مثلاً أن استطلاعاً جرى بين الأمريكيين أيام أن كان كوفى عنان أميناً عاماً للأمم المتحدة، وكان من بين أسئلة الإستطلاع هذا السؤال: ماذا تعرف عن كوفى عنان؟.. نسبة لا بأس بها من العينة التى شملها الإستطلاع قالت إن كوفى عنان مشروب يباع فى الأسواق !.
السؤال كان عن اسم رئيس المنظمة الدولية الأم فى العالم، والمنظمة تعمل فوق أرض أمريكية فى نيويورك، وليست فى منطقة فى أقصى الأرض، ومع ذلك، فالذين تلقوا السؤال ظنوا أن اسم الرجل مشروب يتداوله المستهلكون!.
شىء قريب من هذا تجده فى استطلاعات الرأى التى تجرى هذه الأيام، وبالذات قبل ساعات من خطاب الإتحاد السنوى للرئيس. فالشىء اللافت أن الدنيا التى أقامها ترامب ولم يقعدها فى كل مكان، من إيران، إلى غزة، إلى أوكرانيا، لا تعنى المواطن الأمريكى بأى مقدار، ولكن يعنيه مؤشر الضرائب، والأسعار، والتأمين الصحى، وغيرها مما يشغله كمواطن يفتش عما يمسه، وعما يدخل جيبه، وعما يخرج من يده إذا ذهب يشترى شيئاً!.
صحيفة الجارديان البريطانية أجرت استطلاعاً خلال الأيام الأربعة الأخيرة من يناير، وكان ذلك عن طريق معهد «مارست» المتخصص فى استطلاعات الرأى، وكان مما كشف عنه أن ٥٥ ٪ من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب يأخذ البلاد إلى الأسوأ!.. هذا ما تراه غالبية الأمريكيين على المستوى الداخلى الأمريكى وهو صحيح، ولكن الأصح منه أن ترامب ذاته يأخذ العالم فى الوقت نفسه إلى الأسوأ والأسوأ، ومع ذلك، فالاستطلاع يبين أن هذا لا يعنى المواطن الأمريكى فى شىء، وإنما يعنيه أمره هو، وأمر بلاده، وفقط !.. ولابد أن وضعاً كهذا يظل من سوء حظ العالم، لأن معناه أن الرئيس الأمريكى لا يجد رأى عام داخلياً يدعوه إلى تعديل سياسته التى أشقت الأرض ولا تزال تُشقيها.