بقلم: سليمان جودة
فى هذا الموعد من كل سنة تتجدد أحاديث الساحل الشمالى، وتظل أحاديثه أسيرة فى مواقع التواصل الاجتماعى لا تتحرر من قبضته، وتبدو طول الوقت وكأن طرفاً خفياً يشعل نارها، ولا يراها خمدت إلا ويصب فيها الزيت على النار.
وليس أغرب ولا أعجب من أن تظل الحكومة بعيدة عن هذا كله.. فكأن الساحل فى بلد آخر تحكمه حكومة أخرى، أو كأنه لا صاحب له تعنيه أحاديثه، أو كأنه لا جهة محددة يتبعها فتتحدث باسمه كلما كانت الضرورة داعية إلى ذلك !
ولأن للساحل قصة فى كل صيف، بل قصص كثيرة ينشغل بها أهله وتملأ الأجواء، فالقصة هذه السنة هى قصة الإدارة فى مراسى مع أهل مراسى !
القصة أن الإدارة فرضت قيوداً ورسوماً على دخول مراسى، ثم على دخول الشاطيء فى مراسى، وما كادت تفاصيل الرسوم والقيود تتسرب من داخل المكان إلى خارجه، حتى كانت قد ملأت الدنيا وشغلت الناس. وقد اختلط فيها ما هو جد بما هو هزل، وقرأنا عمن يطلب تدخل الحكومة فى القاهرة لدى الحكومة فى أبو ظبى، لعل الإدارة فى مراسى تخفف من القيود والرسوم !.. وبلغ الأمر ما هو أكبر من ذلك، وتداخل فيه صادق النية مع صاحب الغرض، وتابعنا ولا نزال نتابع ما يمكن تسميته: فتنة الساحل !
الفتنة تعددت مستوياتها وتنوعت، فمنها ما هى فتنة يُراد لها أن تكون بين الأغنياء فى مراسى وفى غير مراسى بطول الساحل وعرضه، وبين فقراء البلد الذين لا طريق لهم إلى الساحل، ولا يعرفون عنه إلا حكاياته التى تتكرر ويجرى تداولها من سنة إلى سنة.. ومنها ما هى فتنة يراد له أن تكون بين دولتين: مصر والإمارات.
الدنيا كلها فيها شواطىء وسواحل وأغنياء يرتادون السواحل، ولكن لا توجد هناك هذه الأحاديث التى نجدها على ساحلنا فتبدأ صغيرة قليلة، ثم لا تلبث حتى تجد الذين يتلقفونها ويصنعون من الحَبّة فيها قبة !
فى هذه الأجواء المشحونة يصبح سكوت الحكومة جريمة فى حق نفسها وفى حق الناس، ويصبح كلامها ضرورة لمحاصرة نار الفتنة فى مهدها، ويصبح عليها أن تتكلم وتخاطب الناس، لعلهم يعرفون منها هى لا من سواها. وليس مطلوباً منها سوى أن يشعر الناس بوجودها، وأن تقول لهم مثلاً أن إدارة مراسى على حق فى كذا، أو على غير حق فى كذا، وأن فى البلد سلطة حكومية تنظم، وتراقب، وتتدخل عند الضرورة، ولا تغيب هكذا أبداً !.. فالغياب يترك وراءه فراغاً يمتلىء بما نعرفه.