أنا والأهرام  كانت بيننا أحلام
أخر الأخبار

أنا والأهرام .. كانت بيننا أحلام

أنا والأهرام .. كانت بيننا أحلام

 العرب اليوم -

أنا والأهرام  كانت بيننا أحلام

بقلم : فاروق جويدة

خرجنا بعد نكسة 1967 إلى الشوارع نبكى حلمنا الضائع ومستقبلنا الغامض.. كانت صدمة كبيرة وعميقة أصابت جيلنا، الذى أطلق عليه صديقى مصطفى الفقى «جيل الطابق المسحور».. منا من هاجر إلى الدول العربية، ومنا من ذهب إلى أمريكا، وكلٌ سعى وراء قدره.. وفى هذه العاصفة وجدت نفسى فى الأهرام، المؤسسة العريقة، ولم أصدق نفسى وأنا أصافح الأستاذ هيكل فى مكتبه بمبنى الأهرام القديم، وشعرت بأن القدر قد جاء على غير ما تصورت..

ـــــ ولم يمضِ وقت طويل حتى وجدت نفسى على سفينة عجوز فى رحلة إلى غرب إفريقيا استمرت ثلاثة أشهر.. ودخلت على الأستاذ هيكل أصافحه مودعًا، وقال لي: «هذه رحلة العمر لن تتكرر».. كان الأهرام قدرى الجميل، ولو عاد بى العمر لاخترت كل فصول رحلتى فيه عملًا وحبًا ونجاحًا وولاءً وانتماءً.. تنقلت بين دروب المبنى الجديد محررًا اقتصاديًا، وعضوًا فى الديسك المركزي، ورئيسًا لأقسامه الثقافية، ونشرت فيه أجمل وأغلى ما كتبت، وحفظت جدرانه، ومنحته عمرى بكل السخاء.. وعشت أجمل أيامى مع رموزه كتابًا ومبدعين وفنانين، وسافرت إلى معظم بلاد الدنيا أحمل شرف اسمه وتاريخه وإنجازاته.. لم أسعَ طوال حياتى لكى أنتسب إلى مكان أو عمل آخر، وما زلت أعتز وأفخر بأننى كنت من أبناء هذه المؤسسة العريقة عملًا ودورًا ونجاحًا.. والآن، حين أرى الأهرام يحتفل بمرور 150 سنة على إنشائه، أشعر بأن الأهرام كان أجمل حظوظ عمرى، ولو رجع بى العمر لاخترت رحلتى وسنوات عمرى وما غيرت من مسارى شيئًا..

ـــ لم تكن جريدة الأهرام فى حياتى مجرد وظيفة عابرة منحتها أجمل أيام شبابى ومنحتنى البريق والأضواء والمصداقية، وتحولت بين جدرانها إلى راهب يعشق المكان ويدرك حجم المسئولية وقيمة البشر.. قضيت فى الأهرام كل سنوات عمرى ولم أعمل فى مكان آخر، رغم كل ما تلقيت من العروض والإغراءات، بل إننى رفضت منصب الوزارة أكثر من مرة من أجل الأهرام، لأننى لم أتصور أن أكون فى مكان آخر وعمل آخر ورفاق آخرين غير هذا الصرح العظيم الذى منحنى كل شيء.. كان من الممكن أن أكون مسئولًا فى أى مكان داخل المؤسسة العريقة، وقد كان، ولكن مع الأهرام كبرت أحلامي، ولم تكن أحلامًا فى مال أو ثراء أو نفوذ، وإنما تبلورت أحلامى فى أن أغنى شعرى على صفحاته وأجد من يسمعني، أن أكتب ما يدور فى ذهنى من الأفكار والخواطر وأجد من يصدقني.. ومثل كل الشباب دخلت المبنى العريق ولم تحملنى إليه واسطة أو صاحب منصب أو أحد الأقارب، جئت إلى الأهرام شابًا بسيطًا لا يملك غير الأحلام، فاحتضن أحلامي، ومع سنوات العمر أصبحت حياتى جزءًا من الأهرام وأصبح الأهرام كل عمري، فلم أخطُ خطوة واحدة خارج جدرانه التى عشت معها كل دقات قلبى وأنفاسى وثورتى وحيرتى وغضبى.

ــــ قلت: إن المكان يمثل شيئًا كبيرًا بالنسبة لي، إنه أنفاس احتوتها جدران ونوافذ، إنه قلب يخفق، ولا تدرى من ينبض بالآخر، هل قلوبنا هى التى تعطى المكان الإحساس والمشاعر أم هو المكان الذى نصبح مع الأيام جزءًا منه؟ لا يوجد عمل بلا هدف أو غاية، هناك من يعمل لكى يعيش وينتج ويشارك، وهناك أيضًا من يعمل لكى يبدع شيئًا جديدًا لم يعرفه الناس من قبل، وهناك من يعمل لأنه يجسد أحلامًا فى إنسان أجمل ووطن أرقى وزمان أكثر ترفعًا وقيمة.. كان الأهرام عندى وما زال هو الحلم والوعى والقيمة، ولهذا لم نحسب سنوات العمر معًا وكيف تسربت منا، فلا عمر للأحلام ولا زمن للأماكن ولا ثمن للبشر لأنهم أغلى من كل شىء.

ـــــ عشت فى الأهرام أزهى وأجمل سنوات عمري، وأنا فى بداية حياتى العملية شاب يصافح عشرينيات عمره، وتنقلت بين شواطئه سفرًا وحضورًا وكتابة.. وحين تسللت قدماى فى هدوء إلى الدور السادس فى الأهرام بعد شهور قليلة من التحاقى به، وجدت نفسى أحدق فى عدد من الوجوه، لا أقول إننى أعرفها بل كنت أحفظ ملامحها: توفيق الحكيم وعودة الروح، نجيب محفوظ والثلاثية، يوسف إدريس وأرخص ليالي، زكى نجيب محمود وحوارات مع العقل، لويس عوض ومذكرات طالب بعثة، بنت الشاطئ وزوجات الرسول، إحسان عبد القدوس وأنف وثلاث عيون، عبد الرحمن الشرقاوى والحسين ثائرًا وشهيدًا، وصلاح طاهر ومملكة الفن.. وصادقت هيكل كل سنوات عمرى محررًا وكاتبًا وصديقًا.. ولم أنسَ أننى كنت أقيم أمسية شعرية فى دار الأوبرا، وفوجئت بأن الأستاذ هيكل بين الحاضرين.. وكثيرًا ما كنت ألجأ إليه فى همومى وأحلامي، وحتى آخر لحظة كان وراء قرار كتابة العمود اليومى منذ 15 عامًا.. حيث أقنعنى بكتابة العمود، وكثيرًا ما كنا نتحاور وأحيانًا نختلف فى الأهرام.. وكان الأستاذ هيكل أول من زارنى فى مستشفى دار الفؤاد بعد أن أصابتنى أزمة قلبية بسبب التحقيق معى عند النائب العام ست ساعات، عندما كتبت فى الأهرام مقالًا عن توريث القضاء.

ـــــ سنوات عشتها فى الأهرام، ورصيد أحلامى يكبر أن أجد من يسمع شعري، أن تصل كلماتى ورؤاى إلى الناس فأجد من يصدقني، كنت أراهن طول عمرى على المصداقية، لأنها رأس المال الحقيقى فى بلاط صاحبة الجلالة..هناك من جمع الأموال، وهناك من حقق الشهرة والبريق، وهناك من راوده النفوذ فذهب إليه، قليلون جدًا من راهنوا على الصدق مع النفس ومع الناس ومع الله، وهؤلاء هم الفائزون.. اقتربت من كبار كتابه ومفكريه بعد أن أصبحت مسئولا عن صفحاته الثقافية أكثر من 25 عامًا، ولا أنكر أننى تعلمت منهم الكثير.. كنت أسافر فى رحلة سنوية إلى أوروبا على نفقة الأهرام، أشترى الكتب، وأشاهد المسارح، وأتنفس هواءً نقيًا.. وفى الأهرام كنت أشعر بأننى فى بيتي، وأنه أجمل قصة حب عشتها، وأننى أحفظ كل شيء فى الأهرام، حتى جدرانه وأروقته ورائحة الحبر فى مطابعه ووجوه الزملاء من العمال والمحررين وكبار الكتاب.. كنت دائمًا أقول إن الأستاذ محمد حسنين هيكل وضع للأهرام مجموعة من الأسس والثوابت فى كل شيء تجعله يعيش ألف عام، وهذه حقيقة.. كل شيء فى الأهرام يسير بدقة غريبة فى الأمن والمطابع والتحرير والإدارة والنظافة.

ــــ جمعتنى علاقات طيبة مع كل قيادات الأهرام: الأستاذ محمد حسنين هيكل، ثم تعاقبت الأسماء، فشهدت الأهرام مرحلة يوسف السباعي، وأحمد بهاء الدين، وعلى حمدى الجمال، وعبد الله عبدالباري، وإبراهيم نافع، وصلاح الغمري، وأسامة سرايا، ومرسى عطا الله، وعبدالفتاح الجبالي، وعبد المنعم سعيد. ثم شهدت المؤسسة بعد عام 2011 تغييرات متلاحقة، إلى أن تولى لبيب السباعي، وعبد العظيم حماد، وأحمد النجار، ومحمد عبد الهادي، وعبد المحسن سلامة، وعلاء ثابت، وحاليًا تعيش فى ظل قيادة د.محمد فايز فرحات، ورئيس التحرير ماجد منير.. وكل نجم من هذه النجوم أضاء سماء المؤسسة العريقة فكرًا ووعيًا وإبداعًا..

ـــ الخلاصة أننى قضيت سنوات عمرى راهبًا وعاشقًا لكل ساعة عشتها فيه.. كنت وما زلت أكتب فى الأهرام أجمل ما كتبت شعرًا ونثرًا ومسرحًا، وكثيرًا ما أجلس مع نفسى وأراجع سنوات عمرى فى الأهرام، وأشعر بحلاوة العمر الذى قضيته فيه، وأتمنى فى يوم - أرجو ألا يكون بعيدًا- أن أكتب قصتى مع الأهرام، لأنها أجمل وأغلى فصول حياتي.. تحية للأهرام فى عيده المائة والخمسين بشرًا وكيانًا وتاريخًا، وتحية من قلبى إلى الأعزاء: د. محمد فايز فرحات رئيس مجلس الإدارة، وماجد منير رئيس التحرير، وأبناء الأهرام كتابًا ورموزًا وعمرًا وحياة.. هذه تحية عرفان وتقدير لرحلة من الزمن الجميل.. كل سنة والأهرام كما أتمنى وأحب.

..ويبقى الشعر

 

تغيبينَ عنـي..

وأمضى مع العُمر مثلَ الســـحابِ

وأرحلُ فى الأفقِ بينَ التمنِّــي

وأهربُ منكِ السنينَ الطوالَ

ويوما أضيعُ.. ويومَا أغنِّــي..

أسافرُ وحدى ..غريبا .. غريبا

أتوه بحلمى .. وأشقى بفنِّــي

ويولَـدُ فينا زمانٌ طريدٌ

يخلِّفُ فينا الأسي.. والتجنيّ..

ولو دمَرتنا رياحُ الزمانِ

فما زال فى اللـحنِ نبضُ المُـغنّي

تغيبينَ عني..

وأعلمُ أنَّ الذى غابَ قلبــــي

وأنى إليكِ .. لأنـكِ منِّـي

◙  ◙   ◙

تغيبينَ عني..

وأسألُ نفسي.. تُـرى ما الغيابْ؟

بعادُ المَكانِ .. وطولُ الســفرْ!

فماذا أقول.. وقد صرتِ بعضي

أراكِ بقلـبـــي.. جميعَ البشـَــــرْ

وألقاكِ.. كالنور مأوَى الحياريَ

وألحانَ عمرٍ شجيِّ الوترْ

وإنْ طالَ فينا خريفُ الحياة

فما زال فيكِ ربيعُ الزهرْ

◙  ◙  ◙

تغيبين عني..

فأشتاقُ نفسي

وأهفو لقلبـــى على راحتيكِ

نتوهُ .. ونشتاقُ ..نغدو حَياري

وما زال بيتــَي.. فى مقلتيـكِ

ويمضى بيَ العـمـر فى كـل دربٍ

فأنسى همومى على شاطئيكِ ..

وإن مزقتنا دروبُ الحياةِ

فما زلتُ أشـــعر أنى إليكِ ..

أســـافرُ عمرى .. وألقاكِ يوما

فإنى خُلقتُ وقلبى لديكِ ..

◙  ◙   ◙

بعيدان نحنُ ومهما افترقنا

فمازال فى راحتيكِ الأمانْ

تغيبين عنى وكم من قريبٍ ..

يغيبُ وإن كان ملءَ المكانْ

فلا البعـدُ يعنى غيابَ الوجوه

ولا الشَّـــوقُ يعرفُ .. قيدَ الزمانْ

 

قصيدة « لأنك منى » 1983

arabstoday

GMT 12:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

هل بدأ نتنياهو رسم خريطة المنطقة؟

GMT 12:51 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 12:44 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

مباراة لعينة

GMT 12:36 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

انتقد ناصر وأحب مديحة وتغزل فى الحشيش!!

GMT 12:24 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

أردأ أيام العالم

GMT 23:55 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لكل حدائقه

GMT 23:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

هل يمكن خلع أنياب الأسد الجريح؟

GMT 23:52 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أنا والأهرام  كانت بيننا أحلام أنا والأهرام  كانت بيننا أحلام



إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - العرب اليوم

GMT 05:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
 العرب اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 08:34 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

توغل إسرائيلي بالدبابات في القنيطرة جنوب سوريا

GMT 16:15 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترمب يعرب عن أمله في وقف إعدامات المتظاهرين في إيران

GMT 17:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 05:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab