بعض العلماء يفضل أن يتجرد من كل مغريات الحياة التى يسعى إليها الآخرون، وفى الحياة تنقسم الأدوار بين الزهد والقناعة.. والزهد ليس اختيارا دينيا، ولكن هناك زهد العلم، أن يصبح الإنسان راهبا لا يريد من الحياة غير أن يكون إنسانا فى خدمة الإنسانية، وهذا النوع من البشر يعيش الحياة كما يحب، قليل المطالب، سعادته فى إسعاد البشر، وهو يصل إلى درجة من أرفع درجات الزهد حين يصبح راهب علم..
ـــــ من هنا بدأت معرفتى بعالمنا الكبير د.محمد غنيم، أول من زرع الكلى فى أرض المحروسة، وأصبح عالما تأوى إليه القلوب المتعبة، واختار مدينة المنصورة وأنشأ فيها أول مركز لزراعة الكلى، وأصبح مركزا عالميا تتوافد عليه حشود المرضى من كل دول العالم.. درس عالمنا الكبير فى «الطب»، ومنذ البداية اختار منطقة غاية فى الأهمية والحساسية وهى زراعة الكلى، وأنجز فيها سبقا عالميا، وأصبح واحدا من روادها الكبار على مستوى العالم. .
ـــــ وُلد محمد أحمد غنيم بحى العباسية فى القاهرة، ونشأ فى بيئة تُقدس العلم؛ حيث كان والده أستاذا بكلية الزراعة. تلقى تعليمه فى مدارس القاهرة، وتخرج فى كلية طب عين شمس ليحصل بعدها على تخصص الجراحة ثم المسالك البولية.. سافر غنيم إلى إنجلترا ثم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، حيث قضى سنوات فى التدريب والبحث العلمى فى أرقى المراكز الدولية. عاد غنيم فى السبعينيات، واختار مدينة المنصورة لتكون مقرا لمشروعه القومى، ليبدأ فصل الجراح القاهرى فى كتابة تاريخ «عاصمة الطب» فى الدلتا.. وقاد الدكتور غنيم أول عملية زراعة كلى فى مصر بنجاح. وبفضل إصراره، استطاع تحويل وحدة صغيرة فى مستشفى جامعة المنصورة إلى مركز أمراض الكلى والمسالك..
جمع د.غنيم بين الزهد والعلم، والترفع عن كل مغريات الحياة، واختار مدينة المنصورة موطنا ولم يفارقها، وعاش خمسين عاما فى شقة متواضعة، وأصبح عالمنا الكبير من أهم وأشهر أبناء المنصورة، وأصبح مركز الكلى الذى حمل اسمه واحدا من أكبر المراكز البحثية فى العالم المتخصصة فى زراعة الكلى..
ـــــ جمعتنا لقاءات متعددة فى صحبة عالمنا الكبير الراحل أحمد زويل، وكنت مقدرا لحوارات د.غنيم، فلم يكن عالما فى الطب فقط، كان صاحب رؤى سياسية متفتحة على كل الأفكار، وكان يرى أن مصر تستحق حياة أكثر انفتاحا وحرية، وكان يرى أننا فى حاجة إلى تجربة حزبية حقيقية، وأن الإنسان المصرى يملك طاقات مبهرة، وأن العلم طريق التقدم، وأن تجارب مصر فى عصور سابقة كانت أكثر إبداعا، وأن مصر احتضنت نماذج فريدة فى العلم والإبداع والتقدم..
ـــــ كنا نجلس يوما مع الفريق أحمد شفيق وهو يقوم بتشكيل الوزارة، ويومها قلت له إننى أتمنى أن يكون د.غنيم وزيرا للتعليم، لأن لديه رؤى وقناعات كثيرة، يمكن أن تضيف الكثير إلى التعليم فى مصر، وطلب الفريق شفيق من مدير مكتبه أن يطلب د.غنيم، وبالفعل عرض عليه منصب الوزارة ولكنه اعتذر، وقلت للفريق شفيق خسارة، ليته لم يرفض..
ـــــ كنت وما زلت أقدر مواقف كثيرة للدكتور غنيم فى أحوال مصر شعبا وحكومة، ولكنه كان زاهدا فى كل المناصب، وابتعد تماما عن الرسميات الحكومية، وفضل دور العالم الزاهد، واكتفى بعشرات التلاميذ الذين تعلموا على يديه، وأصبحوا من رموز مصر فى الطب والجراحة، وبقى فى المنصورة عشقه الكبير..
ــــ ذات يوم أقام الناشر الكبير إبراهيم المعلم غداء عمل فى عيد ميلادى، وكانت مصادفة غريبة أن يجتمع فى هذه المناسبة الأستاذ هيكل، وأحمد زويل، ود.غنيم، وفاروق العقدة، وعدد كبير من الكتاب والمفكرين، ويومها تجلى د.غنيم وهو يتحدث عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان، وأن مصر تحتاج إلى تجربة حزبية رشيدة. .
ــــ كان د. غنيم يهرب من مسئوليات وأعباء العمل ويذهب إلى البحر، فقد كان هاويا ومغرما بلعبة الغطس، وما زال يمارسها ويجيدها، وربما كانت وسيلته للتأمل أمام كائنات غريبة بعيدا عن دنيا البشر.. إن د.غنيم ما زال يمارس عشقه بين المنصورة والبحر والمرضى الذين يأتون إليه من كل دول العالم، وقد افتقدت كثيرا جلساتنا فى صحبة أحمد زويل ونحن نناقش قضايانا ومشاكلنا، وكل واحد يطرح أفكاره وأحلامه فى وطن أكثر حرية وأمنا واستقرارا وتقدما..
ـــ رفض د. غنيم أن يترك المنصورة، ورغم اختيار الرئيس السادات له مستشارا طبيا حمل اللقب ولم يترك شقته فى المنصورة، وقد حرص على أن يعالج المرضى بلا مقابل، وكان يتحمل نفقات علاجهم وإقامتهم والمرافقين معهم، ورغم المنصب والسمعة والنجاح بقى بسيطا فى حياته، ولم يسع إلى المال والثراء، فقد اقتنع بأنه طبيب الشعب، وهذا شرف يكفيه..
ـــ إن د.غنيم أحد العلامات البارزة فى مسيرة العقل المصرى حلما وإبداعا، وقد لقى كل صور التكريم والعرفان.. فقد وهب حياته من أجل إنسان أفضل ومجتمع أكثر عدلا وكرامة، وعاش زاهدا من كل شيء غير أن يصبح العلم أسلوب حياة وطريقنا للتقدم.. إن د. غنيم العالم والمفكر يحمل جينات جيل عظيم منح مصر الريادة والقيادة والقدوة فكرا وعطاء وعملا، وقد اختار منذ البداية أن يكون نموذجا فى التحدى والإرادة، وكان مركز المنصورة أحد إنجازاته فى تخصص فريد، ليكون أحد رواده على مستوى العالم. . لم يمر عطاؤه دون تقدير عالمى، حيث حصد عدة جوائز، منها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الطب، وقلادة النيل العظمى (أرفع وسام مصري). ونشر العديد من الأبحاث، وأصدر الكثير من الكتب.
ــــ لا تكمن عظمة الدكتور غنيم فى كونه جراحا بارعا فحسب، بل فى كونه برهن للجميع أن النجاح العالمى يمكن أن ينطلق من أى بقعة فى مصر، وأن الإخلاص للمبدأ أقوى من بريق المال.. لقد زرع غنيم فى أجساد مرضاه كلى جديدة، وزرع فى نفوس تلاميذه والأجيال المقبلة أملا جديدا.. سيبقى د.غنيم منارة تذكرنا بأن الطب هو أسمى مهنة إنسانية حين تتجرد من الأنانية وتلتحف بروح الوطن.. إن د. غنيم لا يسعى إلى الأضواء، واكتفى بأن يحلق فى عالمه الخاص بعيدا عن صخب الحياة وصراخ المدعين، وكانت تجربته فى زراعة الكلى درسا للباحثين عن القيمة والإنجاز، ليس فى مصر وحدها ولكن على مستوى عالم يقدر النجاح ويسعى للتفوق، وكان د.غنيم نموذجاً نادراً فى الإخلاص والوطنية.. وواحدا من نجوم عصر العلم والتقدم..
..ويبقى الشعر
وجْهٌ جَمِيلٌ ..
طافَ فِى عَيْنى قليلا .. واسْتـَدارْ
فأراهُ كالعُشْبِ المسَافِر..
فِى جَبين ِ الأرْض يَزْهُو فِى اخْضِرَارْ
وتـَمرُّ أقـْدَامُ السنِين عَليهِ.. يَخـْبُو..
ثـُمَّ يسْقـُط فِى اصْفرَارْ
كمْ عِشْتُ أجْرى خـَلـْفـَهُ
رَغمَ العَواصِف..والشَّواطِئ.. والقِفـَارْ
هَلْ آنَ للحُلـْم المسَافِر أنْ يَكـُفَّ عَن ِالدِّوَارْ؟
يَا سِنـْدبادَ العَصْر.. ارجعْ
لمْ يَعُدْ فِى الحُبِّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الانـْتـحَارْ
ارْجعَ.. فـَإنَّ الأرْض شَاخَتْ
والسنين الخُضْرَ يَأكـُلـُهـا البَوَارْ
ارْجعْ.. فإنَّ شَوَاطئ الأحْلام ِ
أضْنـَاهَا صُرَاخُ المَوْج مِنْ عَفـَن ِ البـِحَارْ
هَلْ آنَ للقـَلـْبِ الذى عَشقَ الرَّحِيلَ
بأنْ يَنـَامَ دَقيقةً .. مِثـْلَ الصِغـَارْ ؟
هلْ آنَ للوجْهِ الـَّذِى صَلـَبُوه فوقَ قِناعِهِ عُمْرًا
بأنْ يُلـْقِى الِقنـَاعَ الـُمسْتـَعَارْ؟
وَجْهُ جَمِيلٌ
طافَ فِى عَيْنى قليلًا .. واسْتـَدَارْ
كانَ الوداعُ يُطلُّ مِنْ رَأسِي
وفِى العَيْنَين ِ سَاعَاتٌ تدُقُّ ..
وألفُ صَوْتٍ للقِطـَارْ
وَيْلى مِنَ الوجْه البَريء ..
يغـُوصُ فى قلـْبى فيُؤلمُنى القرارْ
لمَ لا أسَافرُ
بَعْدَ أنْ ضاقتْ بى الشُّطآنُ..وابْتعَدَ المزارْ ؟!
يا أيُّها الوجه الذى أدْمَى فؤَادي
أيُّ شَيْءٍ فيكَ يُغْرينى بهَذا الانتظارْ ؟
مَا زالَ يُسْكرُنى شُعَاعُكَ ..
رَغـْمَ أنَّ الضَّوْءَ فى عَينيَّ نارْ
أجْرى فألمَحُ ألـْفَ ظلٍّ فِى خُطايَ
فكيْفَ أنجُو الآنَ مِنْ هَذا الحِصَارْ؟
لِمَ لا أسَافِرُ ؟
ألفُ أرْض ٍتحْتـَوينِى.. ألـْفُ مُتـَّكإٍ.. ودَارْ
أنا لا أرَىَ شَيْئـًا أمَامِي
غَيْرَ أشْلاءٍ تـُطاردُهَا العَواصِفُ.. والغـُبَارْ
كمْ ظلَّ يَخْدَعُنِى بَريقُ الصُّبح فِى عَيْنـَيْكِ ..
كـُنـْتُ أبيعُ أيَّامِى ويَحمِلـُنى الدَّمَارُ.. إلى الدَّمَارْ
قـْلبى الذَّى عـَلـَّمتـُهُ يَومًا جُنونَ العِشْق ِ
عَلــَّمَنِى هُمُومَ الانـْكسَارْ
كانتْ هَزَائِمُهُ عَلى الأطـْلال ِ..
تـَحْكِى قِصَّة القـَلـْبِ الـَّذِى
عَشقَ الرَّحيلَ مَعَ النـَّهَارْ
ورَأيْتـُهُ نـَجْمًا طريدًا
فِى سَمَاءِ الكـَوْن ِ يَبْحَثُ عَنْ مَدارْ
يَا سِنـْدبَادَ العَصْر
عهْدُ الحُبِّ ولــّى..
لنْ تـَرَى فِى القـَفـْر لؤلـُؤة ..
ولنْ تـَجـِدَ المحَارْ
وَجْهٌ جَمِيلٌ..
طافَ فِى عَيْنِى قليلًا.. واسْتـَدَارْ
وَمَضَيْتُ أجْرى خـَلـْفـُه..
فوجَدْتُ وَجْهـِى.. فِى الجـِدَارْ