كان شيئًا مختلفًا عن كل رفاق عصره من الكُتّاب، فقد حملته الأقدار إلى آفاق أوسع حين تنقّل بين عواصم الدنيا وعاش فى ظل ثقافات تنوّعت، وجمع فى رحلته بين جذور لها ثوابتها وثقافات تنوّعت روافدها، وإن بقى محافظًا على تراث ثقافى كان واضحًا فى كل إبداعاته.. أتحدّث عن يحيى حقى ، أقلّ كتابنا حظًا وأكثرهم سفرًا ورحيلًا..
ــــ عرفته عن قرب فى سنواته الأخيرة بعد أن اقترب من شواطئ الرحيل، كان هادئًا مستسلمًا محبًا ومتمسكًا بما بقى له من سنوات العمر، واكتفى فى آخر الرحلة بعدد قليل من الأصدقاء والتلاميذ حين تولّى رئاسة تحرير مجلة القصة، وإن كانت فترة قصيرة .. اختلف يحيى حقى عن رفاق مشواره؛ فلم يكن نجيب محفوظ، وإن كان مختلفًا فى رواياته وقصصه ، وإن ترك بعض التلاميذ وفى مقدمتهم يوسف إدريس..
ــــ ولد يحيى حقى فى حى «السيدة زينب» العريق بالقاهرة نشأ فى منزل يعبق بروح التصوف والأدب؛ فكانت «السيدة زينب» بضجيجها، وموالدها، وطقوسها الشعبية، هى المدرسة الأولى التى شكلت المخزون البصرى والروحى له.. رغم أنه مصرى المولد والمنشأ والهوى، فإن أصوله تعود إلى جذور تركية؛ فجده كان أحد المهاجرين من الأناضول ، ووالده كان موظفا بوزارة الأوقاف ومن عشاق القراءة.. هذا المزيج منح يحيى حقى انفتاحا مبكرا على ثقافات متعددة.. تلقى تعليمه فى «كُتّاب» السيدة زينب، ثم المدرسة الابتدائية، وحصل على البكالوريا من المدرسة الخديوية التحق بعدها بمدرسة الحقوق السلطانية (كلية الحقوق حاليا) عمل لفترة قصيرة معاون نيابة فى الصعيد إلى أن التحق بوزارة الخارجية وتنقل بين عدد من القنصليات فى بلاد كثيرة وعمل فى أكثر من وظيفة، وإن لم يحقق إنجازًا فيها إلى أن عاد بعد إعلان الحرب العالمية الثانية ، ثم أُقِيلَ من العمل الدبلوماسى عندما تزوج من أجنبية وهى رسَّامة ومثَّالة فرنسية, وعاد إلى مصر ليستقر بها؛ ثم أنشئت مصلحة الفنون فكان «أول وآخر مدير لها، ثم مستشارًا لدار الكتب وعمل فى وزارة التجارة وتعثرت به الخطى كثيرًا بين وظائف حكومية متنوعة ثم أصبح رئيسا لتحرير مجلة القصة.. ، وكانت فرصته فى مجلة القصة أفضل الفرص، تولى مسئوليتها، وارتبط اسم «المجلة» باسم يحيى حقى، واستطاع أن يحافظ على شخصيتها كمنبر للمعرفة فقد قدم من خلالها جيلًا من الشباب الواعد وأقام تجمعًا ثقافيًا أسهم بدور كبير فى فتح أبواب الفرص للمواهب الجديدة .
يُوصف الأسلوب الأدبى ليحيى حقى بأنه «السهل الممتنع».. استطاع أن يخلق لغة وسطى؛ ليست بالعامية ولا بالفصحى، بل لغة رشيقة قريبة من نبض الناس وتميز أدبه بالقدرة الفائقة على رسم «بورتريهات» للشخصيات الهامشية والبسيطة، مع لمسة من السخرية الراقية والتعاطف الإنسانى العميق..
ـــ كان يحيى حقى رائد القصة القصيرة ولهذا كانت كتاباته مختلفة تمامًا عن نجيب محفوظ.. كان محفوظ فى السباق صاحب المسافات الطويلة، بينما كان يحيى حقى يجيد سباحة المسافات القصيرة.. وكان أسلوب نجيب محفوظ أكثر واقعية، بينما كان يحيى حقى أكثر شاعرية، وكانت روايات محفوظ حادة فى مساحتها وعمق أفكارها واتساع رؤاها، ولكن يحيى حقى كان يفضّل الجوانب الإنسانية فى شخصياته... كان نجيب محفوظ يفضّل أن يغوص فى أعماق المجتمع المصرى فى كل جوانبه سياسيًا واجتماعيًا وسلوكيًا، بينما كان حقى يفضّل الشواطئ تحليلًا وأسلوبًا وبشرًا.. كان الخلاف كبيرًا بين الثلاثية عند محفوظ و«قنديل أم هاشم» عند حقى، وكانت «أولاد حارتنا» شيئًا مختلفًا عن «عطر الأحباب» أو «البوسطجي».. كان حقى يختار البطولة الفردية بينما كان محفوظ يهتم أكثر بروح الجماعة.. وكان يوسف إدريس الأقرب إلى مدرسة يحيى حقى، وإن جمع بين واقعية محفوظ وفردية حقى..
ــــ تميّز يحيى حقى بثلاثية هى «البوسطجي» و«قنديل أم هاشم» و«عطر الأحباب»، وكلها نماذج فردية، وهى تعكس تجربة يحيى حقى بين ثقافتين: بين الغربة والوطن، وهذا التنوع الثقافى أعطى مساحة من التميز فى كتاباته، وإن بقيت القصة القصيرة أهم إبداعاته، فقد أجاد هذا النوع من الكتابة القصيرة التى تحتاج إلى قدرات خاصة لدى المبدع أسلوبًا وأشخاصًا.. إنها إبداع اللحظة والشخصية والموقف، وهى من الإبداعات القليلة فى الأدب العربى.. وحين تعود إلى «قنديل أم هاشم» ليحيى حقى، لابد أن تطل عليك رواية الطيب صالح الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال».. و«قنديل أم هاشم» كانت أقرب للواقع المصرى، وإن كان التناقض الثقافى هو جوهر القضية..
ــــ إن يحيى حقى فى «قنديل أم هاشم» يناقش إسماعيل الطبيب العائد من بعثة بالخارج ليجد أهالى السيدة زينب يعالجون عيونهم بطرق خاطئة.. أو عامل البريد الذى يقرأ خطابات الأهالى فى «البوسطجي».. أو ما بقى فى كتابات رموز مصر فى «عطر الأحباب»، وكلها نماذج فردية بين الطبيب وعامل البريد والكُتاب فى «عطر الأحباب». وهى مقالات كتبها يحيى حقى حول رموز مصر من الكتّاب، وكلها نماذج فردية..
ـــــ كان يحيى حقى لا يحب الأضواء وكان دائمًا بعيدًا عن الوسط الثقافى، بل كان يفضل العزلة، خاصة أن تنقله بين الوظائف الإدارية كان على حساب إبداعاته، وإن بقى رمزًا من رموز الثقافة المصرية ورائدًا من روادها الكبار.. عاش يحيى حقى حياة هادئة وهو يسافر فى آفاق زمن أحبه، وإن بخل عليه بالمكانة التى يستحقها مبدعًا وإنسانًا.. كان يحيى حقى فرديّ الهوى، يؤمن بروح الفرد، وهو يذكرنى بكاتبنا الكبير عباس العقاد..كلاهما كان يضع الفرد فى قمة الحياة موقفًا وإبداعًا ودورًا ومسئولية.. إنه يرى العالم فى فرد، ويرى الحياة كلها من خلال فرد، وهذا التوجه قليل بين كتابنا الكبار الذين سيطرت عليهم روح الجماعة أمام توجهات سياسية، وربما كان ذلك سببًا فى ابتعاد يحيى حقى عن السياسة حتى فى كتاباته.. ولهذا كانت معظم شخصياته فردية الهوى، وهى تعكس قناعات الكاتب ورؤيته فى الحياة.. وكان أسلوب يحيى حقى شاعريًا، وربما كان شاعرًا اختار القصة طريقًا.. ولا شك فى أن السياسة جارت على يحيى حقى، خاصة أنه ترفع عن الانقسامات الأيديولوجية التى سيطرت على الحياة السياسية وشوّهت الكثير من رموزها، بل إنها تجاهلت رموزًا أخرى كان ينبغى أن تكون فى المقدمة مثل العقاد ويحيى حقى وعبد الحليم عبد الله وأمين يوسف غراب وفتحى غانم..
ـــ رغم أن قيمة يحيى حقى لا تقاس بالكم، فإن تتبع إنتاجه يعكس دأبا مدهشا وتنوعا موسوعيا.. تشير التقديرات إلى أن نتاجه الأدبى والفكرى أكثر من 30 مؤلفا أصليا وكان كاتب مقال من الطراز الأول، وقد جُمعت مئات المقالات التى نشرها فى الصحف (مثل «المساء» و«المجلة») فى كتب تعتبر مراجع فى النقد وتاريخ الأدب، وترجم حقى أعمالا عالمية مهمة، خاصة من الأدب الروسى والفرنسى، .. حصل يحيى حقى على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب، وهى أرفع الجوائز التى تقدمها مصر للعلماء والمفكرين والأدباء المصريين، تقديرًا لما بذله ؛.. كما منحته الحكومة الفرنسية وسام الفارس من الطبقة الأولى، ومنحته جامعة المنيا الدكتوراه الفخرية؛ اعترافا من الجامعة بريادته وقيمته الفنية الكبيرة ..ثم حصل على جائزة الملك فيصل العالمية فرع الأدب العربى لكونه رائدًا من رواد القصة العربية الحديثة فهو صاحب القنديل، وأمير القصة القصيرة، الذى حول الكلمات إلى أنغام موسيقية تطرب لها الأذن قبل أن يستوعبها العقل..
سيظل يحيى حقى، بقنديله الذى أضاءه فى محراب السيدة زينب، رمزا للمثقف الذى عرف كيف يهضم حضارة الغرب دون أن يرفض حضارة الشرق، وكيف يكتب بلغة الضاد وكأنه يعزف مقطوعة موسيقية خالدة..
..ويبقى الشعر
لماذا أراكِ على كلِّ شيء بقايا .. بقايا؟
إذا جاءنى الليلُ ألقاكِ طيفـًا ..
وينسابُ عطـُركِ بين الحنايا ؟
لماذا أراكِ على كلِّ وجهٍ
فأجرى إليكِ .. وتأبى خُطايا ؟
وكم كنتُ أهربُ كى لا أراكِ
فألقاكِ نبضـًا سرى فى دمايا
فكيف النجومُ هوت فى الترابِ
وكيف العبير غدا.. كالشظايا؟
عيونك كانت لعمرى صلاة ً ..
فكيف الصلاةُ غدت .. كالخطايا ؟
◙ ◙ ◙
لماذا أراكِ وملءُ عُيوني
دموعُ الوداعْ؟
لماذا أراكِ وقد صرتِ شيئـًا
بعيدًا .. بعيدًا ..
توارى .. وضاعْ؟
تطوفين فى العمر مثل الشعاعْ
أحسُّـك نبضًا ..
وألقاك دفئـًا..
وأشعرُ بعدكِ.. أنى الضياعْ
◙ ◙ ◙
إذا ما بكيتُ أراكِ ابتسامهْ
وإن ضاق دربى .. أراكِ السلامهْ
وإن لاح فى الأفق ِ ليلٌ طويلٌ
تضيء عيونـُكِ.. خلف الغمامهْ
◙ ◙ ◙
لماذا أراكِ على كل شيءٍ
كأنكِ فى الأرض ِ كلُّ البشرْ
كأنك دربٌ بغير انتهاءٍ
وأنى خـُلـِقـْتُ لهذا السفرْ ..
إذا كنتُ أهرب منكِ .. إليكِ
فقولى بربكِ.. أين المفـْر ؟