بقلم:فاروق جويدة
افتقد الإنسان فى هذا الزمان مشاعر الدفء والتواصل، وأصبحت المسافات بعيدة بين الناس حتى فى بيوتهم، وانتشرت ظواهر غريبة تعكس حالة الهروب داخل الأسرة الواحدة. لقد تراجعت أشياء كثيرة أفقدت الأسرة روح التواصل والمودة. إن الأسرة مشغولة بالأخبار والقصص والحكايا، وأصبحت قنوات التواصل بديلاً عن العلاقات بين الناس. إن أخبار الفنانين زواجًا وانفصالًا تملأ الشاشات، والحروب والدماء التى تدفقت أصبحت حديث الناس، وقتل الأطفال واغتصابهم أصبح حديثًا عاديًا. ومن الصعب وسط هذا التكدس أن تسمع أغنية من الزمن الجميل، أو تشاهد فيلمًا، أو تتابع حوارًا. لقد حدثت حالة انفصال بين أبناء الأسرة الواحدة، وارتفعت نسبة الطلاق والأزمات العائلية، ولم تختلف الصورة فى علاقات العمل؛ إن كل موظف يجلس أمام الكمبيوتر ولا يتحدث مع زميله أو يناقشه فى شيء، أو يخفف عنه إحساسًا بالوحدة أو أزمة يعانيها.
كانت التكنولوجيا إنجازًا حضاريًا كونيًا، ولكنها غيرت طباع الناس؛ أصبح الكلام قليلًا، واتسعت المسافات بين الناس، وغابت مشاعر التواصل والمودة. فى زمان مضى كانت جلسات الأسرة وأحاديث الأب والأم والأبناء رسائل حب، وكان الأب يراقب كل شيء فى بيته، وكانت الأم تعرف الكثير عن أبنائها.
ولكن التليفون المحمول جعل الحياة غرفة مغلقة تعانى كل أمراض الصمت والوحشة، وأصبح الإنسان غريبًا فى بيته وعمله وكل تفاصيل حياته، وأصبحنا نترحم كثيرًا على أسرة فقدت تراحمها وقلوب غابت عنها المشاعر، وأصبح الإحساس بالوحدة من أخطر أمراض العصر، واستبدل الإنسان قلبه المحب بقطعة من الحديد تتكلم وتراقب وترافقه نائمًا ومستسلمًا وحزينًا على مشاعر ضاعت، ولا تستطيع استرداد لحظة منها..
لكل عصر من العصور أمراضه التى تنتشر بين البشر، وهناك أمراض يصلح معها العلاج وأمراض مستعصية، وأصعب أمراض هذا العصر هو الإحساس بالوحدة، إنه يفقد الحياة أجمل ما فيها وهو التواصل والحب والمودة.