بقلم:فاروق جويدة
زرتُ أمريكا فى منتصف الثمانينيات بدعوة رسمية شملت عددًا من الجامعات والندوات واللقاءات، وحين رجعت بعد شهر كامل كتبت سلسلة من المقالات فى الأهرام قلت فيها إن النموذج الأمريكى لم يُبهرنى، فلم أجد عراقة باريس وثقافة لندن وآثار روما، وشاهدت معالم الوجه الجديد للتكنولوجيا الحديثة، ولم أتجاوب كثيرًا مع الإنسان الأمريكى الذى قرأت عنه، ولم أسمع شيئًا عن شعارات الحرية وحقوق الإنسان رغم وجود تمثال الحرية وسفن الفضاء، وقلت يومها إننى كنت أتمنى لو شاهدت أمريكا العالم الجديد، ورجعت لا أحمل كثيرًا من الذكريات، بقيت فى خيالى صور الأرض الممتدة بلا حدود وناطحات السحاب ومواكب البشر فى شوارع نيويورك وسان فرانسيسكو، واعترف أننى لم أشعر برغبة فى العودة.
وقد عادت كل هذه الصور وأنا أشاهد الرئيس ترامب فى فترة حكمه الأولى، وازدادت ضبابية فى الفترة الثانية، فقد عاد يحمل ملامح نموذج أمريكى قديم من رعاة البقر مع قصص إبادة الهنود الحمر، وهى جريمة لم تسقط بالتقادم، فما زالت شوارع الولايات الأمريكية تحمل صور وبقايا الضحايا، والغريب أن الجريمة تكررت فى العراق وأفغانستان، وأخيرًا غزة، وما زال نيتانياهو يحمل جينات مواكب القتل فى صفوف الهنود الحمر.
إن الرئيس ترامب يعود إلى الوجه القديم لأحداث وصور ما زالت تعيش فى ذاكرة من عاشوا من الهنود الحمر، ومازال الرئيس ترامب يجسد جرائم قديمة شارك فيها أجداده، ولم تعد أمريكا بلد الحريات وحقوق الإنسان، ولكنها تحولت فى عهد ترامب إلى الوجه القديم، ومن يشاهد ملامح الرئيس ترامب وهو يتحدث ويهدد شعوب العالم سوف يسترجع وجه أمريكا الذى كان، وقد كانت أمريكا من أقدم ظواهر العنف والقتل والإبادة، وكأن التاريخ يعيد نفسه.