الشباب أغلى ثروات مصر

الشباب أغلى ثروات مصر

الشباب أغلى ثروات مصر

 العرب اليوم -

الشباب أغلى ثروات مصر

بقلم:فاروق جويدة

لا يوجد شيء فى الحياة أهم من الإنسان ، ولا يوجد شيء فى البشر أهم من الشباب ، وإذا كانت هناك شعوب تعانى الشيخوخة فإن هناك شعوبًا أخرى تفخر وتعتز بشبابها، ولا شك فى أن مصر الوطن والبشر والأعمار لديها رصيد إنسانى بديع يتمثل فى شبابها..

ـــ إن نسبة الشباب فى مصر من عدد السكان تمثل الأغلبية، وهذا يعنى أننا مجتمع شاب.. إن الشباب فى حياة الإنسان هو القدرة والإرادة والحلم والتغيير، إنه مرحلة البناء الفكرى والجسمانى والنفسى، وهو يحتاج إلى مناخ يوفر له الظروف ويفتح أمامه الأبواب ويشجع قدراته ومواهبه لكى يبنى وطنًا عزيزًا كريمًا مبدعًا..

ـــ وما زلت أذكر أيام شبابنا وكيف كانت المواهب تنطلق حرة وتعانق أحلامها فى مجتمع يحتضن قدرات المبدعين ومواهب القادرين ، وفى هذا المناخ قدمت مصر لشبابها أجمل الفرص فى الوعى والفكر والثقافة، كان الشباب يشعر بدوره ومسئولياته فى مجتمع منح الفرص لمن يستحق ووفر الحياة الكريمة بالعدل ووضع الإنسان فى المكانة التى يستحقها..

ـــ كانت مجانية التعليم أكبر فرصة للتميز، وكان النجاح حقًا مكتسبًا لكل صاحب موهبة دون الرجوع إلى أصوله، لأن التميز كان مقياس العطاء والمشاركة. كان التعليم أهم جوانب بناء الشخصية، وكانت الأحلام رصيد كل الراغبين من أصحاب المواهب والقدرات، كان هذا حالنا فى مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا، ولهذا خرجت أجيال تدرك قيمة الجهد والعمل والرغبة فى النجاح..

ـــ حين أراجع صورة الواقع الذى يعيشه شبابنا اليوم أجد حالة من الانفصال بين ما كان وما نحن فيه الآن، إن شباب مصر غائب عن الساحة موقفًا ومشاركة واهتمامًا، إن جميع الخيوط تقطعت فلا مكان للحوار ولا أحد يسمع الآخر حتى فى المدرسة والجامعة والبيت.. إن بعض البرامج فى الإعلام لا تؤمن بالحوار، إن الجميع يتكلم ولا يسمع، وأمام زحام المدرجات لا مكان للرأى الآخر لأن الأستاذ يقول ما عنده ولا أحد يعقب عليه، وفى الأسرة لا يسمع الأب أحدًا لأنه يتابع الأخبار والكلمات المتقاطعة، ويكتفى الشاب بمواقع التواصل وأخبار الفنانين زواجًا وطلاقًا..

ـــ إن الشباب الآن يتشكل من مصادر غريبة فى الشارع والنت والمواقع ، ولا حوار مع أحد ، يتخرج الشاب فى الجامعة طبيبًا أو مهندسًا ويكتشف أن الأبواب مغلقة وليس أمامه فرصة عمل، فليس قريبًا لمسئول وليس فى العائلة صاحب منصب، ولم يعد أمامه غير المقهى فى أول الشارع يجلس عليه طوال اليوم. فى مصر قرار لم ينفذ بتعيين أوائل خريجى الجامعات، ومنهم من عمل حارسًا لعقار أو عامل نظافة فى أحد المنتجعات أو سائقًا على توك توك، إن الشباب لم يعد شيئًا أمام المجتمع، ولهذا دخل الكثيرون فى متاهات من الإحباط والغموض، ولم يعد لهم دور إلا من رحم ربى..

ــــ إن مشكلة شباب مصر أنهم انقسموا على أنفسهم، الملايين من رواد العشوائيات والآلاف من سكان المنتجعات، وقد يكون من حظ أحد منهم أن ينضم لأحد الأحزاب وتفتح له الأبواب.. إن فى مصر أكثر من مائة حزب بعضها استنساخ لمنظمة الشباب والتنظيم الطليعى، وبعضها أفسد المناخ السياسى فى مصر سنوات طويلة.. إن الأزمة الحقيقية التى يعانيها الشباب المصرى الآن أن رصيد أحلامه تراجع وأن الفرص قد ضاقت عليه ، وأن التعليم لم يعد كما كان، وأن الشباب انقسم على نفسه بين من يملكون ومن لا يملكون..

ــــ إن غياب العدالة قد فرق الشباب، وأن الإنسان لم يعد صاحب الصدارة ولكنه يقف فى آخر الصفوف، وأن القيمة لم تعد مقياس التميز، وأن هدفًا فى مباراة أو أغنية هابطة أهم من العالم أو المفكر أو صاحب رأى، وأن المجتمع فقد بوصلة العدالة والقدرة على أن يضع الشخص المناسب فى المكان الذى يستحقه.. هناك فجوة حدثت بين المجتمع وشبابه، ولها أسباب كثيرة من التهميش والعزلة وغياب الفرص، ولا شك فى أن ذلك ترك آثارًا سلبية حيث يتجه الشباب إلى الهجرة وعدم المشاركة وغياب الانتماء..

ــــ وللأسف الشديد إننا نتحدث عن أكثر من 60 مليون شاب هم أغلى ثروات مصر، إن المطلوب أن يعود المجتمع يحتضن شبابه بالعدل والفرص ويمنح التميز والتفرد لأصحاب المواهب، وأن يفتح أبواب الحوار فى الأسرة والمدرسة والجامعة والحياة السياسية.. إن الحجر على فكر الشباب وتهميش دورهم اغتيال للمستقبل وعدوان على الأجيال وخسارة لا تعوض..أتيحوا الفرصة لشباب مصر..

ــــ تبقى أزمة الشباب واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية فى الشارع المصرى، وتتجسد فى حالة الانفصال والجفاء بين الشباب والواقع الاجتماعى الذى حرمهم من الفرص، وكان قيدًا ثقيلًا على أحلامهم حين حرمهم من الحوار والرأى الآخر والمشاركة، وبخل عليهم بحقهم فى التعليم والعلاج والعمل.. وأمام هذا كانت الهجرة أحد البدائل المطروحة، حيث تسافر حشود المواهب الواعدة من الأطباء وأصحاب القدرات المميزة فى كل المجالات.. هناك غموض يحيط الآن بما كان يسمى مجانية التعليم ، وهل مازالت حقا أم أن التعليم الخاص قضى عليها وحرم منها ملايين الشباب..

ــــ وأمام غياب الفرص تراجعت مشاعر الانتماء، وانتشرت مواكب المجاملات والمصالح ولغة المال والنفوذ.. وهنا يجب أن نتوقف مع أنفسنا لنعيد للشباب مكانته، ونمنح الفرص لمن يستحقها بالقدرة والكفاءة والتميز.. لا بد أن تُفتح الأبواب لكل صاحب موهبة، وليس كل صاحب منصب أو مكانة. إن حرمان المواهب من حقها فى صدارة المشهد جريمة فى حق المستقبل والعدالة.. إن أخطر ما يواجه شباب مصر ثلاثية عتيقة بين الأمية والبطالة واغتيال الأحلام، ولنا أن نتصور أن مصر منذ مائة عام، فى دستور 1923، كانت قد وضعت أولوية للقضاء على الأمية فى خمس سنوات، كان ذلك فى عهد الملك فؤاد، وبقيت حلمًا لم يتحقق..

ــــ ما بين التهميش والانسحاب، انقسم الشباب على نفسه، وكان ذلك ظلما كبيرا لقطاعات كثيرة تعانى الجفاء وغياب الرعاية.. نحن فى حاجة إلى وقفة جادة مع شبابنا، نعيد له الثقة فى أحلامه وطموحاته، بحيث نحقق العدالة فى الفرص، ولا نهمش أصحاب القدرات والمواهب أمام واقع افتقد العدالة، وجعل من الشباب حقول تجارب فى كل شيء..

 

ويبقى الشعر

مَاذا أخذتَ مِنَ السَّفـَرْ..

كـُلُّ البلادِ تـَشَابَهَتْ فى القهْر..

فى الحِرْمانِ.. فى قـَتـْل البَشَرْ..

كـُلُّ العيُون تشَابَهتْ فى الزَّيفِ.

فى الأحزان ِ.. فىَ رَجْم القـَمَرْ

كل الوُجوهِ تـَشابَهتْ فى الخوْفِ

فى الترحَال.. فى دَفـْن الزَّهَرْ

صَوْتُ الجَمَاجـِم فى سُجُون اللـَّيل

والجَلادُ يَعْصِفُ كالقـَدَر ..

دَمُ الضَّحَايَا فـَوقَ أرْصِفـَةِ الشـَّوارع

فى البُيوتِ.. وفى تجاعيدِ الصَّورْ..

مَاذا أخـَذتَ منَ السَّفـَر ؟

مَازلتَ تـَحلـُمُ باللــيالى البيض

والدِّفْء المعَطـّر والسَّهَرْ

تـَشـْتـَاقُ أيامَ الصَّبابَةِ

ضَاعَ عَهْدُ العِشْق وانـْتـَحَر الوَتـَرْ

مَازلتَ عُصفـُورًا كسِير القـَلـْبِ

يشدُو فـَوْقَ أشـْلاءِ الشَّجَرْ

جَفَّ الرَّبيعُ..

خـَزائِنُ الأنـَهار خـَاصَمَها المَطـَرْ

والفـَارسُ المِقـْدامُ فى صَمت

تـراجَعَ.. وانتحَرْ ..

مَاذا أخـَذْتَ مِنَ السّفـَر ؟

كـُلُّ القصَائِدِ فى العُيُون السُّودِ

آخرُهَا السَّفـَر ..

كلُّ الحَكايَا بَعْدَ مَوْتِ الفـَجْر

آخرُها السَّفـَر ..

أطـْلالُ حُلمِكَ تـَحْتَ أقدام السِّنِين..

وَفى شـُقـُوق ِ العُمْر.

آخُرها السَّفـَر ..

هَذِى الدُّمُوعُ وإنْ غَدَت

فى الأفق ِ أمطـَارًا وزَهْرًا

كانَ آخَرُهَا السَّفـَر

كـُلُّ الأجـِنـَّةِ فى ضَمِير الحُلـْم

ماتـَتْ قـَبْـلَ أن تـَأتِى

وَكـُلُّ رُفـَاتِ أحْلامِى سَفـَر ..

بالرَّغـْم مِنْ هَذا تـَحنُّ إلى السَّفـَر؟!

مَاذا أخذْتَ مِنَ السَّفـَر؟

حَاولتَ يومًا أن تـَشُقَّ النـَّهْر

خَانـَتـْـكَ الإرَادَهْ

حَاوَلتَ أنْ تـَبنِى قـُصورَ الحُلـْم

فى زَمن ِ البَلادَهْ

النبضُ فى الأعْمَاق يَسقـُط كالشُّموس الغَاربهْ

والعُمْر فى بَحْر الضَّياع الآنَ ألقـَى رأسَه

فـَوقَ الأمَانِى الشـَّاحِبهْ ..

شَاهَدْتَ أدْوارَ البَراءةِ والنذالةِ والكـَذِبْ

قـَامْرتَ بالأيام فى»سِيْركٍ»رَخيصٍ للـَّعِبْ.

والآنَ جئـْتَ تـُقيمُ وَسْط َ الحَانـَةِ السَّودَاءِ.. كـَعْبَهْ

هَذا زَمانٌ تـُخـْلـَعُ الأثوابُ فِيهِ..

وكلُّ أقدار الشُّعوبِ عَلى الـَموائِدِ بَعض لـُعْبهْ..

هَذا زَمانٌ كالحِذاء..

تـَراهُ فى قـَدَم المقـَامِر والمزَيِّفِ والسَّفِيهْ ..

هَذا زَمَانٌ يُدْفـَنُ الإنسَانُ فِى أشْلائِه حيّا

ويُقـْتلُ.. لـَيْسَ يَعرفُ قـَاتِليهْ..

هَذا زَمانٌ يَخـْنـُقُ الأقمَارَ ..

يَغـْتـَالُ الشُّمُوسَ..

يَغـُوصُ.. فى دَمِّ الضَّحَايَا ..

هَذا زَمَانٌ يَقـْطـَعُ الأشْجَارَ

يَمْتـَهنُ البرَاءَة َ

يَسْتـَبيحُ الفـَجْرَ.. يَسْتـَرضى البَغـَايَا

هَذا زَمَانٌ يَصلـُبُ الطـُّهْر الـَبرىءَ..

يُقيمُ عِيدًا.. للـْخـَطـَايَا ..

هَذا زَمَانُ الموْتِ ..

كـَيْفَ تـُقِيمُ فوقَ القـَبْر

عُرسًا للصَّبايَا ؟!

عُلبُ القمَامَة زينـُوهَا

رُبَّمَا تبْدو أمَامَ النـَّاس.. بُسْتـَانـًا نـَديّا

بَينَ القمَامَة لنْ ترَى.. ثوْبًا نـَقِيّا

فالأرْضُ حَوْلكَ.. ضَاجَعَتْ كلَّ الخطايَا

كيْفَ تحْلم أنْ تـَرى فيهَا.. نـَبيّا

كـُلُّ الحَكايَا.. كانَ آخرُهَا السَّفـَر

وَأنا تـَعِبْت مِنَ السَّفـَر..

 

قصيدة   «  ماذا أخذت من السفر » سنة 1989

arabstoday

GMT 04:42 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 04:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 04:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 04:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 04:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 04:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 04:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشباب أغلى ثروات مصر الشباب أغلى ثروات مصر



أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس- العرب اليوم

GMT 05:03 2026 الأربعاء ,29 إبريل / نيسان

ناقلات نفط إيرانية تتجمع قرب خط الحصار الأميركي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab