كانت الثقافة أهم الصفحات فى تاريخ الإنسان المصرى عطاءً وإبداعًا ودورًا، وكانت الثقافة من أهم مقومات الوجود المصرى تميزًا فى قلب العالم.. كان الشيء المؤسف أن الثقافة المصرية لم تعد كما كانت، فقد تراجعت إبداعًا ودورًا ومكانة، ولعل هذا ما جعل السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى يطرح مشروع دولة الإبداع والثقافة، وأن الإنسان المصرى لابد أن يعود مثقفًا مبدعًا رائدًا، وأن الدولة بكل مؤسساتها لابد أن تضع الثقافة فى صدارة أولوياتها فى كل المجالات، وأن يتصدر المثقف المصرى المشهد كما كان يومًا مبدعًا خلاَّقًا..
ــــ لم تعد الثقافة المصرية بشموخها القديم، وأصبحنا نتحدث عن الماضى وكأننا غرقنا فيه.. لقد فقد المجتمع المصرى إحساسه بقيمة الثقافة ودور المثقف وأهمية الإبداع، بل إن المثقف المصرى أصبح الآن فى آخر القائمة لهذا فإن القضية تتطلب أن نتوقف عند بعض الرؤى والأفكار.
- أولًا: لا نستطيع أن ننكر أن فى مقدمة الأزمات التى تعيشها ثقافة مصر قضية الأمية، وقد فشلت كل المحاولات التى قامت بها الحكومات المتعاقبة، حتى أصبح لدينا الآن أجيال متعددة من الأميين،..إن برامج محو الأمية يمكن أن تنطلق من قصور الثقافة بالمحافظات تحت إشراف المحليات بعد تطهيرها، ومن خلال المساجد والزوايا تحت إشراف وزارة الأوقاف، ويمكن هنا الاستفادة من شباب وخريجى الجامعات مقابل راتب شهرى مناسب، مما يوفر فرص عمل تقلل من أزمة البطالة.
- ثانيًا: لابد أن تفتح الجامعات حوارًا واسعًا مع طلابها، تناقش فيه كل قضايا الفكر والحريات وحقوق الإنسان والرأى الآخر، وأن ترعى شبابها من المبدعين، وهنا لا بد أن نعيد دور الثقافة فى حياة شبابنا الجامعية، بحيث تكون هناك أنشطة مسرحية ومسابقات فى الرسم والغناء والموسيقى، مع تشجيع الشباب على استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة فى الفنون والآداب..
- ثالثًا: لابد أن تعود أعياد العلم، ونحتفى مرة أخرى بالنابغين من أبنائنا فى المدارس والجامعات، وأن تشرف على هذه المناسبات وزارات ثلاث، هى الثقافة والتعليم والشباب، بحيث نمهد الأرض لظهور مواهب جديدة فى كل مجالات الإبداع.. إن رحيل عدد كبير من رموز الثقافة المصرية فى كل نواحى المعرفة أدبًا وفنًا ترك فراغًا رهيبًا فى الساحة الثقافية والفنية والعلمية، ويجب أن تحرص مؤسسات الدولة على توفير مناخ يشجع على ظهور مواهب أخرى، وهنا أتصور أن تقوم بهذا الدور أكاديمية الفنون وكليات التربية النوعية فى الجامعات ومعاهد الموسيقى والتذوق الفنى..
كان الإعلام يومًا واجهة من أهم واجهات الثقافة المصرية فى عصرها الذهبى، من خلال الإعلام كنا نصدر للعالم العربى أجمل وأرقى ما فينا فى السلوك والأخلاق وفى المستوى والقيمة رقيًا وإبداعًا، وانفض الجميع عنا حين استبدلنا القيمة بالفوضى فى الغناء وفى الفكر. كنا دعاة وعى واستنارة، وأصبحنا نحتفى بالعفاريت وشطط الأدعياء، وفى الفنون كانت السينما المصرية غذاءً للأرواح وأصبحت أشباحًا تطارد الأطفال فى نومهم.. وحين انقضى عهد الكبار جلسنا نتساءل: وأين نقادنا الكبار رعاة الفكر والإبداع؟ ووجدناهم يترنحون أمام ظواهر الشطط والفوضى، وحملتهم مستنقعات السياسة بكل ما فيها من ظواهر الخلل فأفسدوا السياسة والإبداع معًا.
- رابعًا: كانت المدرسة هى الدرس الأول فى الوطنية والانتماء فى تحية العلم والإذاعة الصباحية وقراءة الصحف والأخبار، وكانت المدرسة تقدم المسرحيات وفيها قاعة للرسم وأخرى للموسيقى، وينبغى أن تُراعى كل هذه الأشياء فى إنشاءات المدارس الجديدة، وأن تلتزم المدارس الخاصة العربية ومدارس اللغات بهذه الثوابت. إن رحيل الكبار كان أكبر محنة تواجهها الثقافة المصرية، خاصة أننا نسينا هذه الأسماء وكأنها لم تكن بيننا ولم تشارك فى إضاءة العقل العربى والخروج به من متاهات الظلام والتخلف.
- خامسًا: يشهد العالم العربى الآن أنشطة ثقافية وفنية متعددة، ولابد من التواصل معها، لأن الدور الثقافى المصرى كان امتداده الأصيل فى عالمنا العربى، وعلينا أن نعيد هذا الدور أمام الأجيال الجديدة فى هذه الدول، لأنها لا تعرف عنه شيئًا.. إن السينما يمكن أن تكون رسول مودة بيننا، وكذلك المسرح والغناء، ولكن ينبغى التنسيق بين مؤسسات الدولة الثقافية والجامعات والمؤسسات المشابهة فى عالمنا العربى. وهناك قضايا كثيرة يمكن أن نجتمع حولها، ومنها أزمة اللغة العربية، وهى محنة كل بيت عربى، وقضايا التطرف الفكرى، وهى كارثة حلت بهذه الأمة فى دينها وثوابتها..
- سادسًا: لا أتصور أن يبقى منطق الجزر يحكم العلاقة بين مؤسسات الدولة فى الثقافة، لا بد من التنسيق بين المسئولين، لأن العلاقة وطيدة جدًا بين وزارة الثقافة والشباب والتعليم والجامعات والأوقاف والأزهر الشريف والجامعات الخاصة، لأن هؤلاء لابد أن يناقشوا الأزمة الثقافية من كل جوانبها، وكلهم شركاء فيها..
ــــ قد يرى البعض أن الثقافة فى حياة الشعوب قضية ثانوية، وأنها من رفاهيات الحياة، ولكن الحقيقة أن الثقافة تقف وراء الكثير جدًا من سلبيات حياتنا، ابتداءً بأزمة الهوية وانتهاءً بالعنف وفكر الإرهاب والتطرف ومأساة اللغة العربية وغياب الحوار. هذه القضايا كان لها أثر كبير فى اهتزاز منظومة القيم والثوابت التى قام عليها دور الثقافة المصرية، وهو من أعرق وأرفع أدوارها..
ــــ تبقى بعد ذلك نقطة أخيرة، وهى دور الإعلام فى نشر الثقافة الجادة وتحريك المجتمع وزيادة نسبة الوعى بين المواطنين فى ظل مرض خطير نعانيه وهو الأمية.. إن الإعلام الآن هو الوسيلة الأقدر والأكثر انتشارًا، وعليه أن يفتح صفحة جديدة لبناء مصر الثقافة والفكر والوعى والريادة..
ــــ فى يوم من الأيام كانت مصر درة الثقافة العربية إبداعًا ودورًا ورموزًا، وقد توقف التاريخ كثيرًا عند رموزها فى الأدب إبداعًا، وفى الشعر والموسيقى والغناء والمسرح والفن التشكيلى والسينما والتاريخ والعمارة، وكان الإنسان المصرى رائدًا فى كل هذه المجالات، وكانت هناك أجيال تعددت أدوارها ومواهبها، وترك كل جيل علامة فى الفكر والفن والثقافة، ولكن المناخ تغير، وظهرت عوارض غيررت المسار، وكانت الثقافة من ضحايا التقلبات السياسية التى غيرت المفاهيم وأجهضت الإبداع، ولم يبق غير ظلال من زمن عريق ومواهب فذة كانت تمثل الوجه الحقيقى للإنسان المصرى الذى جرفته ظواهر غريبة بين السطحية والفوضى..
ــــ إن أسوأ ما أصاب الثقافة المصرية أنها فقدت أفضل رموزها فى كل شيء، ولم يبق فى الساحة غير وجوه شاحبة وأفكار مريضة وأبواق تجيد النفاق والمراوغة، وكانت عقول الشباب أولى ضحايا حالة من التشوه أصابت العقل المصرى فى قدراته وإبداعاته ومستوى الوعى فيه..
..ويبقى الشعر
مُتْ صَامِدََا..
واتْرُكْ عُيُونَ القُدسِ تبْكِى
فَوقَ قبرِكَ ألفَ عَامْ
قد يَسقطُ الزمَنُ الردِيُء..
ويطلعُ الفرسانُ من هذا الحطَامْ
قدْ ينتهى صخبُ المزاد
وتكشِفُ الأيامُ أقنعةَ السلامْ
إنْ نامتِ الدنيَا
وضاعَ الحقُّ فى هذا الركامْ
فلديْك شعبُ لن يضلّ..ولنْ يَنَامْْ
مُتْ صامِدََا
وَاتْرُكْ نِدَاءَ الصُّبْحِ يَسْرِى هَادرََا
وسَط الجْماجمِ والعظامْ
اترك لهم عبثَ الموائدِ..
وَالجراَئِدِ واَلمشَاهِدِ واَلْكَلَامْ
أتْرُكْ لَهُمْ شَبقَ الفسَادِ
ونشوةَ الكُهانِ بِالَمالِ الحرامْ
أطلقْ خُيولكَ منْ قيُودِ الأسْرِ
مِن صَمتِ المآِذنِ
والكنائِسِ.. والِخيَامْ
إِن الشُّعوبَ وإِنْ تمادَى الظلمُ..
سوف تدقُّ أعناقَ السَّمَاسِرَةَ العِظامْ
إِنَّ الشًّعُوبَ وإِنْ تَوَارَتْ
فيِ زمانِ القهرِ
سوفَ تُطلُّ من عليائِهَا
ويعودُ فى يَدهَا الزَّمامْ
فارفعْ جبينَكَ نحوَ ضوءِ الشمْسِ
إنَّ الصُّبحَ آتٍ
لنْ يَطُول بِنَا الظَّلاَمْْ
◙ ◙ ◙
مُتْ صامِدََا
مُتْ فوقَ هذِى الأرضِ..
لاَ ترحَلْ وإِنْ صلَبوكَ فيها كالمسِيحْ
فَغَدََا سَيَنْبتُ ألفُ صُبْحٍ
فِى ثَرى الْوَطًنِ الذّبِيحْ
وَغَدََا يُطلُ الفجرُ نُورََا
من مآذننا يَصيحْ
وغدََا يكونُ الثأرُ
مِن كُهَّانِ هَذَا الْعَصْرِ
والزَّمنِ القبيحْ
فأنْثُرْ رُفَاَتكَ فَوْقَ هَذِى الأرْضِ
تَنْفُضْ حُزْنَها
ويُطِلَّ من أشْلائِهَا الْحُلمُ الجَرِيحْ
أطْلِقْ نَشِيدَكَ فى الدُّرُوبِ لَعَلَّهُ
يوماً يعيدُ النبضَ
للْجَسَدِ الْكَسِيحْ
◙ ◙ ◙
مُتْ صامِدََا
مَاذَا تُريدُ الآنَ مِنْ هَذِى الحَياهْ؟
مَجْدٌ وَسُلطانُ وتيجانٌ وجاهْ
مَاَذا تَقَولُ
وَأنْت تكْبرُ كُلَّما لاحَتْ
أمَاَم الْقُدسِ أطْوَاقُ النَّجَاهْ
مَاَذا تَقَولُ
وأنتَ ترفعُ أمة سَقَطتْ
وضَاَعَتْ تَحْتَ أقْدَامِ الطُّغاهْ ؟
مَاَذا تَقَولُ
وأنت تبقَى فى ضميرِ النَّاسِ حَيّا
كلمَا نادى المؤذنُ للصَّلْاة؟
مَاَذا تَقَولُ
وَأنْتَ أقَوى من زَمَانكَ ؟..
أنْتَ أكْبَرُ مِن جَرَاحكَ..
أنْتَ مُعْجزةُ الِإلهْ
أيُّ الُوجُوهِ سَيَذكرُ التَّاريخُ..
جلادٌ حقيرٌ
أمْ شهيد عطرَ الدنيَا ثراهْ.؟
فرقٌ كبيرٌ
بينَ من سلبَ الحياةَ من الشُعوبِ
ومَنْ أعَادَ لها الحَياهْ..
مُتْ صامِدََا
والعنْ زمانَ العجزِ والمجدِ المُدًَنسِ
تحت أقدامِ الغزاهْ
فلكلَّ طاغيةٍ مدًى..
ولكل ظلمٍ منتهاه.
مُتْ صامِدََا
حتّى ولو هدمُوا بُيوتَ اللهِ
واغتصبوا المآذنْ
حتى ولو حرقُوا الأجنةَ
فى البطونِ
وعربدوا وسطَ المدائنْ
حتى ولو صلبُوكَ حيا..لا تُهادنْ
هل يستوى البطلُ الشهيدُ
أمام مأجورٍ وخائنْ؟
كن قبلةً فوق الخليل
وكن صلاة فى المساجدْ
زيتونةً خضراءَ تؤنسُ
وحشةَ الأطفالِ
حين يقودهمْ للموتِ حاقدْ
كن نخلةً
يساقط الأمل الوليدُ على رُباهَا
كلما صاحتْ على القبر الشواهد
◙ ◙ ◙
مُت صامدََا
لا شيء يغنى النَّاس عن أوطانِهم
حتى ولو ملكوا قُصورَ الأرضِ
جاهََا.. أو سكنْ
كُلُّ الَّذى نَبْغِيه مِنْ أوْطاننَا
أنْ نَسْتَرِيحَ عَلَى ثَراَهَا
حِينَ يُؤْوِينَا الْكَفَنْ
بَعْضُ الخُيولِ يمُوتُ حُزْنًا
إنْ تَغَّربَ لحظةً..
يَغْدُو سَجِينَ المحْبسَيْنِ
فلا أمَانََ..وَلا وَطَنْ
أنت الشَّهِيدُ فِدا لأرضكَ..لا تَمُتْ
من غير ثأرٍ..أو قصاصٍ..أو ثمنْ
أغمضْ عيونَكَ فوقَ عينِ القدسِ
واصرخْ دائمََا
إنْ كَلَّ فيهَا العزمُ يومََا أو وهَنْ لا تأتمِنْ من خادَعُوكَ وشردُوكَ وضللُوكَ
وضيعُوا الأوطانَ فى سوقِ المحنْ
كُنْ صيحةً للحقّ
فى الَّزمن المُلَوَّثِ بِالدَّمَامةِ والعفنْ
لا تَخْشَ كُهَّانَ الزَّمانِ الوَغْدِ
إنَّ عروشهُمْ صَارَتْ قبورََا
فأترُكِ التاريخَ يحكمُ والزمَنْ
من قصيدة «آخر شهداء الانتفاضة» سنة 2003