بقلم: فاروق جويدة
لم أعرف لها وطنا أو مكانا. صحوت ذات ليلة، لم أجدها بجانبى. اعتدت على غيابها. أصعب الأشياء أن تجد نفسك وحيدا بلا رفيق، وأمامك ثلاثة أبناء يتساءلون عن أم غابت، وبيت غاب عنه الدفء واللهفة. وتذهب إلى المدرسة، وتعد الإفطار للأبناء، وطوال اليوم تسأل: أين ذهبت؟ هل غضبت؟ هل أسأت إليها؟ هل عرفت حبيبا؟
قررت أن أذهب إلى عملها، وفوجئت بها تنزل من عملها بجانب صديقها الذى أعرفه. هربت منى. فى اليوم الثانى ذهبت فى نفس الميعاد، اقتربت منها، حاولت أن تهرب، أمسكت بها. جلسنا معا بعض الدقائق. كان الكلام قد انتهى. عندى كلمة أخيرة: لماذا غدرت؟ ساد صمت طويل بيننا. حين تموت الكلمات، تموت المشاعر.. وحين يرحل الأحباب بلا أسباب أو عتاب، يصبح النسيان أفضل طريق للوداع.. بعد قصة حب طويلة أخذت أجمل أيام شبابنا كان الوداع ثقيلا والغدر آخر الرحلة، والجراح نهاية حزينة.
كانت بينهما أحلام كذبت، وأيام خدعت، وكم رفرفت على العش الصغير طيور الحب والرحمة، ولكن الطيور سافرت ولم تترك بيتا وعنوانا.
عندما عاد إلى البيت، كان البيت موحشا وكئيبا، وكان الأبناء ينتظرون الأم التى غابت ولا يعرفون لها مكانا. بدأ يفكر أين يذهب بالأبناء، وقد أصبحوا غرباء، والأم العجوز لا تحتمل تربيتهم. جلس مع الأبناء وشاورهم فى الأمر، وحكى لهم قصة الأم، وقرر أن يذهب إلى دولة صديقة. وفى اليوم الثالث، كان يستقل الطائرة مودعا وطنه، ولم تدمع عيناه وهو يصافح أرضها الطيبة، كان حزينا على وداع أمه.