بقلم:فاروق جويدة
ما الذى يميز شعبًا عن آخر؟ وما الذى يثبت أن الإنسان ما زال على قيد الحياة؟ إن أول ما يؤكد موت الإنسان هو ضياع الذاكرة، وإذا كان موت الإنسان بفقدان الذاكرة، فإن موت الشعوب فى غياب الوعى وموت الذاكرة. وهناك شعوب انتهت حياتها حين تخلت عن تاريخها وذاكرة شعبها. إن أكبر مأساة يواجهها شعب أن ينسى تاريخه وذكرياته ورموزه، ويدخل دوائر النسيان، ويتحول إلى أشباح تمشى على الأرض بلا وعى ولا إدراك، وتغيب عنها الحقائق، وتسيطر الأوهام، وتفقد الإرادة، وتبحث عن قوى حية تدافع عنها وتوفر لها الحماية.
عندما أصدر توفيق الحكيم كتابه الأشهر عودة الوعى، ثارت الدنيا وانقسمت النخبة، لأن الرجل حاول أن يسترد وعيه ويعيد ذاكرته. وعندما كتب أنيس منصور كتابه عبد الناصر المفترى عليه والمفترى علينا، مُنع من الكتابة، ورغم أن العقاد كتب مقدمة كتاب عبد الناصر.. فلسفة الثورة، فإنها لم تشفع له. وقد لجأ عدد كبير من ضباط ثورة يوليو إلى كتابة مذكراتهم دفاعًا عن تاريخهم، وتبرئةً للذات، إلا أن الحقيقة غابت، وفقد التاريخ ذاكرته، وتشوهت مواقف الناس.
من هنا يصبح من الضرورى أن تحرص الشعوب على ذاكرتها، وتصون تاريخها أمام نوبات العبث فى تاريخ الشعوب، لأنها ذاكرة الوطن، ومصدر بقائه، وتاج إرادته.
إذا كان من واجب الإنسان أن يحمى ذاكرته حتى لا يفقد وعيه، فإن مسئولية الشعوب أن تحافظ على تاريخها وتصون إرادتها...
إن أخطر ما يحدث الآن فى العالم العربى أن كل ما يجرى على الأرض العربية تهديد للأمن والبشر، وأن العالم يتجه إلى المنطقة وجعل منها مسرحًا متاحًا أمام جميع القوى، وأن الشعوب العربية تتحمل النتائج وتدفع الثمن أمنًا واستقرارًا.