بقلم : عبد المنعم سعيد
الأمم العريقة والأصيلة تسابق أولا نفسها بحيث لا تنحدر في سلم العراقة والأصالة، ولا يصبح لديها إلا البكاء على الأطلال؛ وثانيا فإنها تسابق جوارها القريب ردعا وتعاونا، وكلاهما يزن المصالح الوطنية بميزان ذهب؛ وثالثا يكون السباق مع عالم كامل قام على التطور والانتقال بين عصور التقدم في القدرات والتكنولوجيا وميزان الوفرة والندرة.
ببساطة هذه هي الحالة التي تعيش فيها مصر الآن، حيث السباق ثلاثي الأبعاد حال وحار؛ ومن جوفه جاءت التغييرات التي جرت على الجغرافيا المصرية من نهر النيل الخالد إلي بحار مصر الواسعة، والديموغرافيا حينما لأول مرة منذ عام 2019 بدأت معدلات النمو السكاني في تراجع بطىء.
ولا يوجد أمر يشرح التنافسية المصرية قدر استعادة حقيقة أن إنشاء قناة السويس في القرن التاسع عشر أرجع مصر إلى مكانتها التاريخية والاستراتيجية التي تمتعت بها قبل اكتشاف رأس الرجاء الصالح، حيث انتقلت التجارة العالمية من البحر المتوسط إلي المسار بين المحيط الأطلنطي والمحيط الهندي أي بين الشرق والغرب. التوقف القصير للقناة أثناء حرب 1956 مع العدوان الثلاثي، والطويل بعد حرب 1967 مع إسرائيل، ومؤخرا نتيجة عبث الحوثيين بالتجارة العالمية في البحر الأحمر والمرور في قناة السويس؛ جعل شكوكا عالمية تثور حول الممر الاستراتيجي.
أصبحت مكانة مصر الاستراتيجية موضع سباق كانت فيه مصر واقعة في ناحية، ودول وأمم كثيرة متنوعة في ناحية أخرى؛ وجميعها حاولت أن تقيم مسارات منافسة للقناة المصرية.
المشروعات كلها فيما نعلم تقوم على استخدام السكك الحديدية السريعة، واحدة منها يأتي من إيران عبر تركيا إلي أوروبا، والآخر من العراق عبر تركيا أيضا، والثالث من «قناة بن جوريون» الإسرائيلية من إيلات إلى أشدود، والرابع من الهند حيث التصور في مؤتمر دولي أن تأتي التجارة الآسيوية من الهند إلى ميناء حيفا الإسرائيلي! التحديات جاءت من خصوم وأصدقاء وأشقاء أيضا، كلهم يعرفون مصالحهم، وكانت مصر تعرف مصالحها أيضا.
يتبع