جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

 العرب اليوم -

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

بقلم : مصطفى فحص

حين يتمركز جنود العدو الإسرائيلي على بُعد مئات الأمتار من منزل جدي في قرية النبطية الفوقا، على مسافة تقل عن كيلومترين عن قلب مدينة النبطية وسوقها القديمة التي سوّى القصف الإسرائيلي معظم أبنيتها بالأرض، فهذا لا يعني فقط أنك ترى عدوك بالعين المجردة. في الحقيقة، إنه انكشاف وتراجع ميداني أمام تقدم عسكري إسرائيلي قد يصل إلى مدينة النبطية أو ما بعدها. وهو الانكشاف والتراجع ذاته الذي يُهدد مدينة صور ومحيطها، سواء بمزيد من الدمار الشامل أو بخطر الاحتلال.

هذا التقدم الميداني الإسرائيلي باتجاه مدينتين مركزيتين في الجنوب، وفشل «الثنائي الشيعي» المتحكم بالطائفة، في الدفاع عنهما، على الرغم من التضحيات الكبيرة التي يقدمها المقاتلون على الجبهات، يضعه أمام امتحانين فشل في كليهما. فـ«حزب الله» سقط في امتحان السلاح الذي لم يمنع العدو من التقدم البري، فيما سقط رئيس حركة «أمل» نبيه بري في امتحان الوقت، بعدما حاول ربط مصير الجنوب بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، قبل أن يُعلن أخيراً أنه يملك موافقة «حزب الله» على وقف إطلاق النار. إلا أن هذه الموافقة المتأخرة لا تنطبق عليها المقولة الشهيرة: «أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً».

لم يدرك «الثنائي» أن الوقت كالسيل، إن لم تقطعه قطعك، فلقد خسر عامل الوقت نتيجة رهاناته غير الدقيقة على طهران وقراءاته الخاطئة لبنيامين نتنياهو، الذي لم يلتزم سابقاً بأي اتفاق، ولن يلتزم اليوم حتى لو وافقت تل أبيب على بنود بيان واشنطن المشترك الذي رهن وقف النار بخروج الحزب من مناطق جنوب النهر.

جنوبياً، تبدو الهدنة معلّقة على حبال الترقب، إن لم نقل مستحيلة، وهذا يعني مزيداً من الخسائر في الأرواح والأرزاق، وارتفاعاً في منسوب القلق لدى الجنوبيين الذين عبّروا عن خوفهم على مصيرهم وقلقهم على مستقبلهم في نداءين منفصلين صدرا عن ناشطين من مدينتي صور والنبطية.

تكمن أهمية النداءين في أنهما انطلقا من قلب الجنوب. فصور تُمثل العاصمة التاريخية للساحل الجنوبي، فيما تُمثل النبطية القلب الإداري والسياسي للداخل الجنوبي. لذلك فإن صدور النداءين أوحى بوجود خطاب جنوبي مدني يتجاوز حدود مدينة واحدة نحو مساحة أوسع من الجنوب اللبناني. إنه إعلان عن ظهور صوت جنوبي مدني يطالب بحماية الناس والدولة معاً، أكثر مما هو سجال سياسي مباشر مع أي طرف، وإن كان رد فعل «حزب الله» عليه قد اتسم بقدر كبير من العصبية، فيما التزم جمهور حركة «أمل» بالصمت.

اجتماعياً وسياسياً، يتجاوز نداءا صور والنبطية كونهما صرخة إنسانية ضد الحرب والدمار، ليشكلا أول اعتراض علني واسع على السلاح، ويعبّرا عن حق الجنوبيين في البقاء والحياة. كما يوجهان المسؤولية مباشرة إلى «الثنائي الشيعي» الذي باتت مواقفه وسياساته وارتباطاته، في نظر قطاع متزايد من الجنوبيين، تُهدد وجود الجنوب وسكانه أكثر مما تحميهم.

وفي لحظته الراهنة، يُمثل هذا الموقف تحولاً مهماً في الوعي الجنوبي، إذ ينتقل من انتقاد أداء «الثنائي الشيعي» إلى التشكيك في جدوى السلاح، والدعوة إلى البحث عن أشكال أخرى من المواجهة لا تؤدي إلى تدمير المجتمع الجنوبي وتهجيره.

أما خارج إطار النداءين، وفي الفضاء الجنوبي العام، فقد باتت التحولات داخل البيئة الجنوبية الشيعية، بفعل التكلفة المتزايدة للحرب، أكثر وضوحاً. صحيح أن تقدير حجم هذه التحولات ومدى عمقها ما زال محل نقاش، إلا أن المؤشرات تتراوح بين حالة إنهاك اجتماعي وجماعي وتراجع في الاستجابة والتعبئة، وشعور عام بأن بيئة قدمت تضحيات هائلة باتت اليوم قلقة من النتائج أكثر من أي وقت مضى.

وإذا كان هذا الجدل الجنوبي المفتوح لن يتحول سريعاً إلى معارضة سياسية معلنة، فإنه يُشكل بداية تأسيس لاعتراض متزايد على سياسات «حزب الله»، وعلى دوره ووظيفة السلاح ومستقبله. وهذا يعني، في أحد وجوهه، بداية تحول اجتماعي وسياسي داخل البيئة الشيعية نفسها.

ومن النداءين التأسيسيين إلى الهدنة الهشة، لا تبدو الأطراف المعنية راغبة أو قادرة على تنفيذ التزاماتها كاملة. فالدولة اللبنانية ليست جاهزة، بقدراتها السياسية واللوجستية الذاتية، وتحتاج إلى توافق داخلي ودعم خارجي لتطبيق الاتفاق، أما نتنياهو فلا يبدو مستعداً لوقف أعماله العدائية، فيما طهران لا تزال ترفض فصل المسارات بصورة نهائية.

في المقابل، يبقى نداء أهل الجنوب هو الصخرة الأخيرة التي يستندون إليها. إنه أكثر وآخر ما يملكونه في مواجهة مَن يدمرهم، ومن يقامر بمصيرهم، فيما يقفون على حافة مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات...

arabstoday

GMT 07:12 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 07:11 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الدور الإيراني في تدمير الحلم الفلسطيني

GMT 07:08 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 07:05 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الاستنزاف الذي لا ينتهي!

GMT 07:03 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 07:01 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 04:55 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

GMT 04:52 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرج السلطنة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب



نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ العرب اليوم

GMT 02:13 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

عمر مرموش يقترب من حلم الليغا عبر بوابة برشلونة
 العرب اليوم - عمر مرموش يقترب من حلم الليغا عبر بوابة برشلونة

GMT 01:11 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

العلماء يؤكدون وجود زلازل في وشاح الأرض

GMT 10:13 2026 الخميس ,04 حزيران / يونيو

مانشستر سيتى يصعد أزمة هالاند مع ريال مدريد
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
arabs, Arab, Arab