بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
كثير هُن النساء اللاتى ضحين، ويضحين، من أجل قضية آمن بها، ولكن ليس فى ذلك الوقت المبكر حين وقفت أم المصريين إلى جانب زوجها زعيم الأمة سعد زغلول فى مرحلة حاسمة من تاريخ الحركة الوطنية المصرية. ولم يكن معتادًا فى العقد الثانى من القرن الماضى، بينما المرأة أسيرة جدران بيتها، أن تخرج سيدة وتشارك فى العمل الوطنى وتقود أول تظاهرة نسائية مصرية خلال ثورة 1919.
إنها السيدة صفية زغلول التى تحل اليوم الذكرى الثمانون لرحيلها. لم تكن تعرف حين تزوجت أن حياتها ستتغير كليًا. لم يكن زوجها قد دخل معترك النضال الوطنى، وصار زعيمًا للأمة فى نظر كثير من أبنائها، إذ كان يعمل فى سلك القضاء. قال لها زعيم ثورة 1919 إنه وضع رأسه على كفه هذا مشيرًا إلى الكف اليمنى، فردت قائلة له ضع رأسى على يُسراك. وكانت هذه بداية طريق سارت فيها معه بشجاعة نادرة، فلم تضعف أو تتراجع إزاء قمع تعرض له أو منفى سيق إليه. وكانت معه فى مختلف مراحل نضاله منذ أن أعلنت البيان الذى تسبب فى تلقيبها بلقب أم المصريين عقب اعتقال سعد زغلول ونفيه إلى مالطا.
جاء فى ذلك البيان الذى قرأته سكرتيرتها ما معناه أنه إذا كانت سلطة الاحتلال اعتقلت سعدًا ولجمت لسانه فإن شريكة حياته تُشهد الله والوطن على أن تضع نفسها فى المكان الذى وضع زوجها نفسه فيه، وأنها فى هذا الموقع تعتبر نفسها أمًا لكل أولئك الأبناء الذين خرجوا يواجهون الرصاص من أجل الحرية. فما أن انتهت سكرتيرة السيدة صفية من إلقاء هذا البيان حتى هتف أحد الحاضرين «تحيا أم المصريين». ومنذ ذلك الحين صارت تحمل هذا اللقب. كما أسهمت فى العمل الاجتماعى عندما شجعت النساء على خلع النقاب وحضور المناسبات العامة وبدأت بنفسها.
ولم يتوقف عطاؤها الوطنى والاجتماعى عند رحيل زوجها فى أغسطس 1927، إذ واصلت أداء دورها حتى رحيلها بعده بنحو عشرين عامًا.