بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
اتهمه بعض أقرانه وأبناء جيله بالنرجسية، ورموه بالغرور وسلاطة اللسان. وقيل عنه إنه خاض معارك دونكيشوتية. وربما كانت هذه فعلاً إحدى سمات الدكتور, أو الدكاترة كما كان يُلقب نفسه, زكى مبارك الذى حلت أمس الذكرى الرابعة والسبعون لرحيله.
طوى النسيان تاريخه وأعماله إلا قليلاً. وربما كانت نرجسيته، إن صح أنه كذلك، نتيجة شعوره بالتجاهل والظلم، إذ لم يعطه معاصروه حقه فأراد أن يُنصِف نفسه. ومن هنا يمكن فهم ميله إلى مقارنة نفسه بكتاَّب وشعراء كبار مثل أبى تمام والشريف الرضي.
فقد رأى مثلاً أن التشابه بينه وبين الشريف الرضي كبير، وقال «لو خرج من قبره لعانقنى معانقة الشقيق للشقيق. فقد عانى فى حياته ما عانيت منه فى حياتى. وكافح فى سبيل المجد، وجهله أهله وزمانه. وكافحتُ فى سبيل المجد وجهلنى قومى وزمانى».
والحق أن زكى مبارك تعرض لتجاهل شديد حقًا، وهو الناقد المُبدع الذى خاض معارك فكرية وأدبية كثيرة، ضد بعض كبار عصره مثل طه حسين وأحمد أمين، وأسهم فى صنع المشهد الثقافى العام فى عصره. وهو، قبل ذلك، كان ممن شاركوا فى ثورة 1919، وخطب فى جموع المصريين، وألقى أشعارًا بثت الحماس فى قلوبهم.
وقد ذهب بعد ذلك إلى باريس، ونال درجة الدكتوراه الأولى عام 1931 فى موضوع «النثر الفنى فى القرن الرابع الهجرى». وكانت أطروحته ثرية أبرزت أهمية تلك الفترة فى تاريخ الحضارة الإسلامية.
وعندما ذهب إلى بغداد فى 1938 للتدريس فى دار المعلمين العليا وضع كتابه الأكثر شهرة «ليلى المريضة فى العراق» متحررًا فى كتابته من كل القيود، الأمر الذى جعله من أدب الاعترافات الذى لم يكن مألوفًا حينذاك.
وهذا الكتاب واحد من كتب عدة أنجزها مبارك فى العراق مثل «وحي بغداد» و«عبقرية الشريف» و«ملامح المجتمع العراقى». ومن أعماله الكثيرة الأخرى التى أنجزها فى مصر «الأسمار والأحاديث» و«التصوف الإسلامى فى الأدب والأخلاق» و«اللغة والدين والتقاليد» و«الأخلاق عند الغزالى» وغيرها.
وإذ نذكر زكى مبارك اليوم فلأنه لم ينل حقه من تقدير يستحقه.