بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
ليس دقيقًا الانطباع الشائع عن أن الولايات المتحدة لم تكن دولة استعمارية بخلاف بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى احتلت الكثير من بلدان إفريقيا وآسيا. فقد فعلت الولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية ما فعلته دول أوروبية عدة فى القارتين الإفريقية والآسيوية، ولكن بشكل مختلف. لم تلجأ الولايات المتحدة إلى احتلال دول أمريكا اللاتينية بشكل كامل، بخلاف ما حدث فى إطار ما يُطلق عليها الظاهرة الاستعمارية التقليدية. اعتمدت واشنطن فى استعمارها دول أمريكا اللاتينية على فرض حكومات موالية لها فتحت أبواب اقتصادات بلادها أمام الشركات الأمريكية فنهبت ثرواتها نهبًا مثلما فعلت دول أوروبية فى إفريقيا وآسيا. وكان مبدأ مونرو هو الموجه للاستعمار الأمريكى فى المنطقة اللاتينية القريبة منها. ويتلخص ذلك المبدأ، الذى أعلنه الرئيس جيمس مونرو فى ديسمبر 1823، فى منع وجود أى نفوذ أجنبى فى أمريكا اللاتينية، بحيث تبقى هذه المنطقة فناء خلفيًا للولايات المتحدة. وليس دقيقًا كذلك الاعتقاد فى أن مبدأ مونرو تقادم مع مرور الزمن، وخاصةً بعد تغير أولويات الولايات المتحدة وتوسع دورها الدولى عقب الحرب العالمية الثانية. وما التدخل فى فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته إلا امتداد لعمليات بلطجة عدة مارستها الولايات المتحدة فى أمريكا اللاتينية خلال العقود الماضية، بخلاف ما قاله الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن أنه يشبه قتل زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادى فى أكتوبر 2019، واغتيال رئيس فيلق القدس فى الحرس الثورى الإيرانى قاسم سليمان فى يناير 2020، وضرب المفاعلات النووية الإيرانية فى الصيف الماضي. لا يختلف اعتقال مادورو عن خطف رئيس بنما الأسبق مانويل نورييجا فى نهاية 1989، ولا عن قتل رئيس حكومة شيلى سلفادور الليندى خلال انقلاب عسكرى دبرته المخابرات المركزية الأمريكية عام 1973. ولكن خطف نورييجا يظل هو الأقرب والأكثر شبهًا باعتقال مادورو، إذ حوكم فى الولايات المتحدة على تُهم كان من بينها تسهيل تجارة المخدرات. وهكذا، فإذا كان ثمة فرق بين الاستعمار الأمريكى والاستعمار الأوروبى فهو أن الأول مازال مستمرًا كما كان منذ قرنين من الزمن.