بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
تمكن حلف شمال الأطلنطى «الناتو» من تجاوز أزمات عدة واجهته فى تاريخه المديد منذ تأسيسه عام 1949 بعيد الحرب العالمية الثانية. ومن أشهر تلك الأزمات تلك التى ارتبطت بانسحاب فرنسا من القيادة العليا للحلف فى منتصف ستينيات القرن الماضي. لكن الأزمة التى يتعرض لها الحلف اليوم ليست مثل أية أزمة سابقة كبرت أو صغرت.
إنها أزمة وجودية تتعلق بمصيره، وهل يستطيع الحفاظ على تماسكه واستمراره ويتجاوز أزمة جزيرة جرينلاند التى تريد إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب شراءها وضمها إلى الولايات المتحدة. ترفض الدنمارك صاحبة هذه الجزيرة التخلى عنها وتؤيدها دول أوروبية عدة بما فيها تلك الأكبر والأكثر أهمية فى الحلف مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
ولكن إدارة ترامب تصر على موقفها وتهدد بضم الجزيرة بأية طريقة رضاءً أو غصبًا. وبدأت بالفعل فى اتخاذ إجراءات مالية عقابية ضد الدول الأوروبية الأعلى صوتًا فى رفضها ضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة.
ولا يبدو فى اللحظة الراهنة أن إدارة ترامب مستعدة للتراجع أو قبول حل وسط كأن تؤجر الجزيرة لفترة طويلة تستمر خمسين عامًا أو أكثر. منطقها فى ذلك بسيط لكنه ليس مقنعًا لرافضى بيع الجزيرة، وهو أن المستأجر ليس كالمالك قوةً وحماسةً فى الدفاع عن أراضى يؤجرها. دفاع المالك عما يملكه يكون أقوى وأشد.
ويبدو أيضًا أن إدارة ترامب لا تقبل حلاً وسطًا آخر مثل حصول الولايات المتحدة على الجزيرة لتنتفع بها فترة طويلة مع بقائها مملوكة للدنمارك. والمفارقة، هنا، أن الرئيس ترامب، الذى يُعرِف نفسه بأنه رجل صفقات عملية وليست شعارات نظرية، لا يقبل حتى الآن أية صفقة من أجل حل الأزمة سواء بتأجير الجزيرة أو الحصول عليها بطريقة حق الانتفاع.
وهذا هو ما يجعل أزمة جرينلاند الأكبر والأكثر خطرًا فى تاريخ حلف تمكن من تجاوز أزمات عدة فى تاريخه. فهل أصبح وجود الحلف مهددًا بالفعل حال استمرار الأزمة بين جناحيه الأوروبى والأمريكي، خاصةً إذا اتجهت واشنطن إلى السيطرة على الجزيرة بالقوة؟.