بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
للخلاف على النظام الذى تجرى على أساسه الانتخابات النيابية تاريخ طويل يمتد إلى نحو مائة عام. بدأ ذلك الخلاف بعد إعداد دستور 1923، ولكنه بلغ ذروته فى آخر عام 1925 ومطلع عام 1926 عندما أصدر زيور باشا رئيس الوزراء مرسومًا لتعديل قانون الانتخابات ضيَّق فيه حق الاقتراع العام فقصره على من بلغ سن الثلاثين، وأباحه لمن بلغ سن الخامسة والعشرين بشرط أن يكون حائزًا لشهادة البكالوريا أو شهادة أخرى تماثلها. كما جعل الانتخاب على درجتين أو مرحلتين بحيث ينتخب أصحاب الحق فى الاقتراع مندوبين عنهم فى كل منطقة، ويُعهد إلى هؤلاء المندوبين بانتخاب أعضاء مجلس النواب.
قوبل ذلك النظام باستنكار واسع من معظم الأحزاب السياسية حيث دفعت ببطلانه لأنه مخالف للدستور، وأوعزت إلى أتباعها من العُمد فى مختلف المديريات ليمتنعوا عن تنفيذه توطئة لمقاطعة الانتخابات التى تُجرى على أساسه. وكانت تلك المرة الأولى التى يتفق فيها حزبا الوفد والأحرار الدستوريان على موقف واحد، ويعملان معًا، وهو ما حمل دلالة على بداية توافر مستوى من الوعى يسمح بعمل حزبى مشترك حين تتطلب الظروف ذلك. كما أنها كانت المرة الأولى، وربما الأخيرة، التى يتدخل فيها الإنجليز ويضغطون لإزالة قيود قانونية، وليس لفرض مزيد منها.
لم يرد الإنجليز خيرًا لمصر وشعبها، بل هالتهم قوة المعارضة لقانون الانتخابات، وقدرة الأحزاب المعارضة له على رص صفوفها، وأدركوا عدم قدرة الحكومة التى يؤيدونها على مواجهة عاصفة المعارضة هذه. فكان صمود الأحزاب هو العامل الأول وراء اضطرار الحكومة الموالية للإنجليز إلى التراجع، إذ أعلنت قبل مائة عام بالتمام (18 فبراير 1926) أنها ستوقف العمل بالقانون الذى أثار تلك العاصفة، وستعيد العمل بنظام الانتخاب الفردى حسب القانون رقم 4 لسنة 1924.
ولم تكن هذه المرة الأخيرة التى يحدث فيها خلاف وصراع على نظام الانتخاب الذى لم يحظ برضا كامل من الفاعلين السياسيين فى أى من مراحل التطور السياسى فى مصر. ولايزال الخلاف مستمرًا حتى اليوم.