بقلم:عمرو الشوبكي
كما هو متوقع، تجاهلت الحكومة كل محاولات إثنائها عن جريمة إزالة ترام الإسكندرية، متصوره إن التحديث هو أن نبنى جديدا شاهقا وطويلا وعريضا، ونتصور إننا بذلك أصبحنا دولة حديثة فى حين إن الحداثة فى أى بلد له تاريخ «عُشر مصر» يتمثل فى الحفاظ على القديم وتجديده وتحديثه لا ارتكاب جريمة هدمة.
إن السؤال الذى يجب أن يطرح عند الحديث عن الصورة الذهنية لأى بلد مرتبط فى جانب كبير منه بتراثه المعمارى، فسنجد أن بلدا مثل الإمارات وتحديدا دبى الصورة الذهنية عنها أنها بلد حديثة بنت أكبر الأبراج وأجملها، ولا يمكن لأى بلد فى المنطقة وخاصة بلدان مثل مصر والمغرب وتركيا أن تنافسها فى حداثة أبراجها وطولها، إنما بعراقة أحيائها وعبق التاريخ الذى تحمله.
لا يمكن لبلد أن يكون عنده وسيلة مواصلات مثل ترام الإسكندرية عمرها أكثر من 160 عاما ويتم هدمها بهذه السهولة لصالح بدائل، حتى لو كانت «أفضل بدائل»، فجريمة إزالة وسيلة مواصلات عمرها أكثر من قرن ونصف جريمة لا تغتفر ولا تسقط بالتقادم ولم يكن يتخيل أحد أن ترتكبها أى حكومة.
إن السؤال البديهى يجب أن يكون حول مصادر القوة الرئيسية لأى بلد لكى تعظمها، فبلدان الدنيا التى لها تاريخ لمئات السنين مثل دول أوروبا، أو دول عربية مثل المغرب أو شرق أوسطية مثل تركيا.. كل هؤلاء قوتهم الحضارية فى الحفاظ على تاريخهم ومبانيهم القديمة؛ لأنهم جميعا لن ينافسوا دبى ولا نيويورك فى ناطحات السحاب، إنما بالحى اللاتينى فى باريس، ساحة الفنا فى مراكش وأحياء روما وبرشلونة ولشبونة القديمة وغيرها مدن كثيرة.
أما بالنسبة لمصر، فالسؤال الذى يجب أن يطرح لحراس الهدم والإزالة والتطوير العكسى: هل حضور مصر الثقافى سيتعزز بتوسيع الشوارع التى يسير عليها ترام الإسكندرية أم بناء مترو معلق مكانه، أم الاحتفاظ بالترام القديم؟.. الإجابة البديهية فى الاحتفاظ به وتطويره، لأن قوة مصر الأساسية وحضورها الثقافى والسياسى ليس فى فائض أموالها ولا فى أى قوة أخرى يمكن أن تمتلكها، إنما فى قوتها الحضارية وما تبقى من أحيائها التاريخية رغم الإصرار على القضاء عليها.
إن مفهوم الهوية البصرية للمدينة أو ذاكرة المدن هى مفاهيم سائدة فى العمارة، ولكنها فى نفس الوقت مفاهيم «سياحية»؛ لأن الحفاظ على الهوية البصرية لأى مدينة يعنى تكرار مجىء السياح للأماكن التى زاروها أو عودة الأجانب للأماكن التى عاشوا أو درسوا فيها، وتعنى تكريس «لَقطة» عن البلد يراها العالم لعقود، فصورة ترام الإسكندرية يمكن أن تكون فى ذاتها جاذبة لملايين الزائرين حول العالم، لو ظلت بعيده عن أيدى «التطوير» الحالى الذى طالها بكل أسف وأجاب إجابة خاطئة عن السؤال البديهى: ما مصادر القوة الحضارية والمعمارية لمصر؟.